
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
لا الدُّنيا لنا، وما كُنَّا يومًا للدُّنيا، فكلُّنا لله، وإنا إليه راجعون. هي رحلة قصيرة نعيشها بما فيها من أفراح وأحزان، لقاءات ووداع، ثم نرحل جميعًا تاركين خلفنا الأثر الطيب والسيرة الحسنة والدعاء الصادق. فلا يبقى للإنسان إلا عمله الصالح، وذكره الجميل في قلوب الناس.
بقلوب يملؤها الحزن، وبنفوس راضية بقضاء الله وقدره، أنعى عمي الغالي وابن عم والدي، الأستاذ سعيد عبدالرحمن عرفات، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد رحلة من الصبر والابتلاء والإيمان.
كان رحمه الله مثالًا للإنسان الطيب الخلوق، صاحب القلب النقي والوجه البشوش والكلمة الطيبة. عرفه الجميع بالاحترام والتواضع وحسن المعاملة، فلم يكن يؤذي أحدًا، بل كان سندًا لكل من عرفه، ووجهًا مشرقًا بالخير والمحبة والرحمة.
لقد انتظر سنوات طويلة حتى رزقه الله بالذرية الصالحة، وكان قلبه متعلقًا بهذا الحلم الجميل، يدعو الله في كل وقت أن يرزقه الأبناء الذين يملؤون حياته فرحًا وسعادة. واستجاب الله دعاءه، وأكرمه بما تمناه بعد صبر طويل، فكانت فرحته كبيرة، وسعادته لا توصف، وكأن الله أراد أن يجبر قلبه بعد سنوات من الانتظار.
ولكن الدنيا لا تدوم على حال، والفرحة فيها لا تكتمل، فبعد أن أكرمه الله بما أحب، ابتُلي بمرض فيروس سي، فدخل في رحلة طويلة من الألم والصبر والتحمل. ورغم المرض، لم يتغير خلقه، ولم تنطفئ ابتسامته، بل كان صابرًا محتسبًا، راضيًا بقضاء الله، مؤمنًا أن كل ما عند الله خير، وأن الابتلاء رفعة للدرجات وتكفير للذنوب.
كان رحمه الله قوي الإيمان، ثابت القلب، يتحمل الألم بصمت، ويخفي تعبه خلف ابتسامته حتى لا يُحزن من حوله. لم يكن يشكو كثيرًا، بل كان دائم الحمد لله، مؤمنًا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
أشهد الله أنه من أطيب الناس الذين عرفتهم، وأكثرهم خُلقًا واحترامًا وتواضعًا. كان محبوبًا بين الناس، قريبًا من القلوب، يحمل الخير للجميع، ويترك أثرًا طيبًا أينما ذهب. لم يكن مجرد قريب، بل كان قيمة إنسانية كبيرة، ووجوده في الحياة كان نعمة لكل من حوله.
إن فقد الأحبة موجع، والرحيل صعب، لكن عزاءنا أن الموت حق، وأن الله أرحم بعباده من كل البشر. وما لنا إلا الدعاء، فهو الهدية التي لا تنقطع، والوفاء الحقيقي لمن نحب.
اللهم ارحم عبدك سعيد عبدالرحمن عرفات رحمة واسعة، واغفر له مغفرة تمحو بها ذنوبه، وتجاوز عن سيئاته، واجعل مرضه وتعبه وصبره في ميزان حسناته.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وافتح له بابًا إلى الفردوس الأعلى، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وآنس وحشته، وثبته عند السؤال، ويسر حسابه يوم العرض عليك.
اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم اجعل ذريته الصالحة صدقة جارية له، واجعل دعاءهم له نورًا ورحمة لا تنقطع، واربط على قلوب أهله ومحبيه بالصبر والسلوان، وألهمنا جميعًا الرضا بقضائك وحسن الظن بك.
رحمك الله يا عمي الغالي، وجعل ذكراك الطيبة لا تغيب، وسيرتك الحسنة شاهدة لك لا عليك، وجمعنا بك في مستقر رحمته، في جنات النعيم.



