
في التاسع عشر من سبتمبر من كل عام، تحتفل محافظة البحيرة بعيدها القومي، مستحضرة واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ المقاومة الشعبية المصرية، حين سجل أهالي رشيد والبحيرة ملحمة وطنية في مواجهة الحملة الإنجليزية عام 1807، لتبقى ذكراها شاهدًا على ما يستطيع الشعب المصري تحقيقه حين تتوحد الإرادة دفاعًا عن الوطن.
رشيد.. ملحمة صنعتها إرادة الأهالي
يرتبط العيد القومي للبحيرة بذكرى انتصار أهالي رشيد على حملة فريزر الإنجليزية، في واحدة من أبرز المواجهات التي شهدتها مصر خلال تلك الفترة.
ففي عام 1807، واجه أهالي رشيد القوات الإنجليزية بإمكانات محدودة، لكنهم امتلكوا معرفة دقيقة بمدينتهم وإرادة قوية للدفاع عنها. وتحولت شوارع رشيد ومبانيها إلى ساحات للمقاومة، واستطاع الأهالي إرباك القوات المهاجمة وإلحاق خسائر بها، الأمر الذي أسهم في تراجع الحملة وانسحابها من الأراضي المصرية.
ومن هنا اكتسب يوم 19 سبتمبر مكانته في وجدان أبناء المحافظة، باعتباره ذكرى تؤكد أن الدفاع عن الوطن لا يرتبط فقط بحجم الإمكانات، وإنما أيضًا بوعي الشعوب وقدرتها على التكاتف في اللحظات الفارقة.
إرث من الأصالة والعمل
ولا تختزل البحيرة في ذكرى تاريخية واحدة، فالمحافظة تمتلك رصيدًا متنوعًا من العمل والإنتاج والعطاء، وتضم مساحات زراعية واسعة جعلتها إحدى المحافظات المهمة في منظومة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي المصري.
كما يتميز المجتمع البحراوي بترابطه وارتباطه بالأرض، وهي سمات امتدت عبر أجيال وأسهمت في تشكيل هوية المحافظة، التي تجمع بين التاريخ العريق والعمل من أجل المستقبل.
من ذاكرة المقاومة إلى تحديات الحاضر
إذا كانت رشيد قد شهدت قبل أكثر من قرنين مواجهة عسكرية مع حملة أجنبية، فإن تحديات الحاضر تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تحتاج أيضًا إلى الوعي والمسؤولية والعمل.
فالتنمية، وتحسين مستوى الخدمات، وتطوير البنية الأساسية، ودعم الإنتاج وفرص العمل، تمثل جميعها عناصر أساسية في بناء مستقبل أفضل لأبناء المحافظة.
وشهدت قرى ومراكز البحيرة خلال السنوات الأخيرة مشروعات تنموية وخدمية ضمن خطط الدولة والمبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، بما يستهدف تحسين جودة الحياة وتطوير البنية الأساسية والخدمات المقدمة للمواطنين.
وتظل متابعة هذه المشروعات وتقييم نتائجها والاستفادة منها جزءًا مهمًا من مسؤولية المجتمع، إلى جانب الحفاظ على ما تحقق واستكمال جهود التنمية.
الوطنية.. ذاكرة ومسؤولية
إن الاحتفال بالعيد القومي للبحيرة لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لاستعادة أحداث من الماضي، بل فرصة للتأمل في المعنى الذي تحمله تلك الأحداث للأجيال الجديدة.
فالوطنية ليست كلمات تقال في المناسبات، وإنما سلوك يومي يقوم على العمل واحترام القانون والحفاظ على الممتلكات العامة، والمشاركة الإيجابية في المجتمع، والحرص على أن تظل مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.
ويبقى تاريخ رشيد شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ مصر، بينما يمثل حاضر البحيرة مساحة للعمل والبناء، ومستقبلها مسؤولية يشترك فيها أبناؤها ومؤسساتها.
وفي عيدها القومي، تستعيد البحيرة ذاكرتها بفخر، لكنها تنظر في الوقت نفسه إلى المستقبل؛ من رشيد التي سجلت صفحة من صفحات المقاومة المصرية، إلى قرى ومدن تسعى إلى تطوير خدماتها وتعزيز إمكاناتها الإنتاجية.
وهكذا تظل البحيرة جزءًا أصيلًا من حكاية مصر؛ محافظة تحمل ذاكرة وطنية عريقة، وأرضًا منتجة، ومجتمعًا قادرًا على تحويل إرث الماضي إلى دافع للعمل من أجل المستقبل.
حفظ الله مصر وشعبها، وصان أرضها، ووفق أبناءها إلى مواصلة مسيرة العمل والبناء، وكل عام وأهالي البحيرة بخير في عيدهم القومي.



