
دخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة من التعافي، مدفوعا بتحسن تدفقات النقد الأجنبي وتزايد الاحتياطيات الدولية، إلا أن هذا التحسن لا يزال يواجه اختبارا أكثر تعقيدا يتمثل في ارتفاع مستويات الأسعار وتشدد الأوضاع المالية، بما يحد من سرعة انتقال الاستقرار النقدي إلى نمو اقتصادي أكثر قوة واستدامة.
توقعات البنك الدولي لنمو الاقتصاد المصري
وفي أحدث تقرير له عن الآفاق الاقتصادية الكلية والفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الصادر في أكتوبر 2026، يتوقع البنك الدولي أن يسجل الاقتصاد المصري نموا حقيقيا قدره 4.3% خلال العام المالي 2026/2027، بعد نمو مقدر بنحو 5.1% في العام المالي 2025/2026، على أن يتسارع النمو مجددا إلى 5% في 2027/2028.
ورغم أن قراءة الرقم قد تبدو للوهلة الأولى تباطؤا، فإنها تعكس في جانب منها انتقال الاقتصاد من مرحلة التعافي السريع إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بقدرة الاستثمار والإنتاج المحلي على توليد النمو، في ظل استمرار القيود المالية وارتفاع تكلفة المعيشة.
الاحتياطي نقطة قوة جديدة في الاقتصاد المصري
تأتي توقعات البنك الدولي في وقت سجلت فيه الاحتياطيات الدولية لمصر مستويات تاريخية مرتفعة، ووفقا لبيانات البنك المركزي المصري، بلغت صافي الاحتياطيات الدولية 57.35 مليار دولار أمريكي في نهاية سبتمبر 2026، مقارنة بـ 57,214.5 مليون دولار أمريكي في نهاية أغسطس 2026، بزيادة تقارب 240 مليون دولار خلال شهر واحد.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة لأنها تعني امتلاك الاقتصاد هامشا أكبر للتعامل مع الالتزامات الخارجية وتقلبات تدفقات النقد الأجنبي، كما تعزز قدرة البنك المركزي على امتصاص الصدمات في سوق الصرف.
وفي تقييم أوسع، أشار البنك الدولي إلى أن الاحتياطيات الرسمية وأصول النقد الأجنبي الأخرى بلغت 67.4 مليار دولار في يونيو 2026، وهو رقم يختلف عن صافي الاحتياطيات الدولية المعلن من البنك المركزي، إذ يشمل المؤشر الذي يستخدمه البنك الدولي مكونات أوسع من صافي الاحتياطي الرسمي.
لماذا لا يتحول ارتفاع الاحتياطي إلى نمو أعلى مباشرة؟
المعادلة التي يطرحها تقرير البنك الدولي أكثر تعقيدا من مجرد توافر الدولار، فالبنك يتوقع أن تؤدي الأوضاع المالية الأكثر تشددا إلى الحد من الاستثمارات، بينما يستمر ارتفاع الأسعار في الضغط على إنفاق الأسر، كما يتوقع ارتفاع متوسط التضخم إلى 14.2% في العام المالي 2026 /2027 مقابل 13.3% في العام السابق، قبل أن يتراجع إلى مستويات أحادية الرقم في العام المالي التالي.
وبالتالي، فإن تحسن السيولة الخارجية يعالج جزءا مهما من مشكلة الاقتصاد، لكنه لا يلغي تلقائيا تكلفة الاقتراض، ولا يرفع القوة الشرائية للأسر، ولا يعوض ضعف الاستثمار الخاص إذا ظلت تكلفة التمويل مرتفعة، وهذا يفسر الفارق بين تحسن الاستقرار الكلي، وسرعة النمو الاقتصادي.
التضخم الاختبار الأصعب أمام التعافي
رغم تحسن المؤشرات النقدية، لا يزال التضخم يمثل أحد أبرز القيود على الاقتصاد المصري، فبحسب البنك المركزي المصري، سجل التضخم العام في المدن 14.5% خلال أغسطس 2026، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.9%، وفي المقابل، سجل التضخم الشهري العام 0.1% فقط في أغسطس، بعد استقرار الأسعار في يوليو.
كما أبقى البنك المركزي في سبتمبر على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير، عند 19% للإيداع و20% للإقراض، مؤكدا أن مستوى التشدد النقدي الحالي ضروري للحفاظ على مسار انخفاض التضخم ومواجهة مخاطر ارتفاع الأسعار.
من أين يأتي النمو؟
يرى البنك الدولي أن النشاط الاقتصادي سيظل مدعوما بانخفاض التضخم تدريجيا، وتحسن الاستهلاك والاستثمار، إلى جانب تعافي القطاعات الاستخراجية، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن تشدد الأوضاع المالية سيقيد الاستثمار، وهذا يعني أن الحفاظ على معدلات نمو في نطاق 4% لا يعتمد فقط على زيادة التدفقات الدولارية، وإنما على قدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار النقدي إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل.
وتأتي أهمية القطاع الخاص، الذي يضعه البنك الدولي في قلب توصياته، داعيا إلى مواصلة الإصلاحات التي تحسن بيصر، يؤكد أن ارتفاع الاحتياطيات عزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، لكنه يحذر في الوقت نفسه من مخاطر خروج رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة الواردات والضغوطئة الأعمال وتدعم النشاط الخاص.
أبرز المخاطر أمام الاقتصاد المصري
يضع البنك الدولي، ضمن أبرز المخاطر أمام الاقتصاد المصري استمرار الصراعات الإقليمية، وتقلب تدفقات استثمارات المحافظ، واحتياجات التمويل الخارجي، والتي يقدرها بنحو 28 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2026 /2027.
كما أن صندوق النقد الدولي، في تقييمه الأحدث لمصر، يؤكد أن ارتفاع الاحتياطيات عزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، لكنه يحذر في الوقت نفسه من مخاطر خروج رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة الواردات والضغوط التضخمية إذا تجددت التوترات الإقليمية، وبذلك فإن الرقم القياسي للاحتياطي يمثل تحسنا مهما في قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وليس ضمانا ضد الصدمات نفسها.
استمرار الحذر في السياسة الاقتصادية
ويتوقع البنك الدولي، وصول الدين إلى نحو 76.3% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2026 /2027، مع عجز مالي يبلغ 6.5% من الناتج المحلي، وهذا يوضح سبب استمرار الحذر في السياسة الاقتصادية، فرفع الإنفاق لتحفيز الطلب قد يدعم النمو على المدى القصير، لكنه قد يزيد الضغوط التضخمية والمالية في وقت تسعى فيه الدولة إلى خفض أعباء الدين وتعزيز الاستقرار، لذلك تبدو السياسة الاقتصادية أمام معادلة دقيقة تتمثل في الحفاظ على الانضباط المالي والنقدي من دون التضحية بالاستثمار والنمو.





