
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها
ناقد وكاشف وساتر
المحافظ يكشف والناس تنتقد والوزير يكرّم… وبينهما شعب يسأل
إحنا عايزين نصلّح ولا نكرّم؟
أحيانًا لا تحتاج الكوميديا السوداء إلى كاتب محترف فالمشهد وحده يتكفل بالمهمة
مسؤول ينزل إلى المدارس قبل بداية العام الدراسي ليتابع الاستعدادات فيجد ملاحظات على النظافة والمرافق والمقاعد فيبدأ النقاش وتتحرك القرارات وتشتعل مواقع التواصل ثم يأتي مشهد آخر أكثر إثارة للدهشة: تكريم من كانوا طرفًا في المشهد وهنا يقف المواطن البسيط ويسأل بمنتهى البراءة: هو إحنا كنا بنتابع مشكلة ولا بنجهز لحفلة تكريم؟
بدأت الحكاية بجولة مفاجئة لمحافظ القليوبية على عدد من المدارس لمتابعة جاهزيتها لاستقبال الطلاب…وفي مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار دار حوار ساخن مع مديرة المدرسة التي أوضحت أنها ووكيلة المدرسة أنفقتا من مالهما الخاص لتجهيز المدرسة وتوصيل بعض المرافق ..المحافظ اعترض على طريقة عرض الأمر ثم أوضح لاحقًا موقفه مؤكدًا أن المديرة لم تكن متقاعسة وأنها خاطبت الإدارة التعليمية أكثر من مرة بشأن المشكلات ولكن لم يتم الاستجابة لها ؟؟
وفي مدرسة برقطا صدر قرار باستبعاد المدير بعد ملاحظات على حالة المدرسة واستعداداتها
ثم انتشرت على مواقع التواصل رواية تربط القرار بملابس المدير فخرج المحافظ موضحًا أن الجلباب لم يكن سبب القرار وأن الأمر يتعلق بما اعتبره تقاعسًا في التعامل مع مشكلات المدرسة..حتى هنا نحن أمام جولة رقابية وملاحظات وقرارات وردود وتوضيحات
وهذا طبيعي في أي منظومة تريد أن تعرف أين الخلل وكيف تعالجه..لكن القصة لم تتوقف هنا… فبعد ذلك ظهر مشهد التكريم عندما كرّم وزير التربية والتعليم..والمسؤول الاول عن هذا الخلل من خلال المسؤولين عن التعليم بالمحافظه واين دورهم واين حسابهم بل قام بتكريم مدير مدرسة برقطا ومديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير تقديرًا لما وصفته الوزارة بالجهود والعطاء وتحمل المسؤولية…تخيلوا..
التكريم في حد ذاته ليس مشكلة..بل إن تقدير المعلم ومدير المدرسة وكل موظف يعمل..
بإخلاص أمر مطلوب..المشكلة في الصورة التي وصلت إلى المواطن فمن حقه أن يتساءل إذا كانت هناك ملاحظات واستبعاد وانتقادات ثم جاء التكريم سريعًا فما الذي حدث بين المشهدين؟ وما الذي ثبت؟ ومن كان مقصرًا؟ ومن كان مظلومًا؟ وهل انتهت المشكلة أم تغيرت فقط عناوين الحكاية؟ واين التحقيق فى الامر كله..واين التنسيق بين المسؤولين
…دى بلد ياحضرات مش عزب تملكونها….
وهنا يدخل الشعب المصري على الخط بطريقته الخاصة المواطن يرى الواقعة فينتقد
ثم يرى من ينتقد المحافظ فينتقده ثم يظهر من يدافع عن المحافظ فيدخل هو الآخر دائرة النقد وبعد قليل يصبح لدينا ناقد ينتقد الناقد الذي ينتقد المنقود وكل واحد معه جزء من الحقيقة أو جزء من الغضب أو مجرد هاتف محمول واتصال بالإنترنت…
وفي النهاية تضيع المشكلة الأصلية وسط معركة: مين قال ومين رد ومين كسب الترند؟
لكن السؤال الأهم ليس من انتقد من…
السؤال هو: ماذا حدث بعد أن انكشف الخلل؟
لأن النقد وحده لا يصلح مدرسة والصورة لا تصلح مقعدًا والفيديو لا يوفر مياهًا
والغضب لا يعالج مرفقًا الجولة الرقابية الحقيقية تبدأ عندما يظهر الخطأ ثم تتحول الملاحظة إلى إجراء واضح: تحديد السبب وتحديد المسؤولية وإصلاح الخلل ومتابعة النتيجة وهنا يجب أن نفرق بين المحاسبة والانتقام ليس كل من وُجه إليه نقد يكون مخطئًا وليس كل قرار سريع يكون دليلًا على التقصير العدل يقتضي أن نعرف الحقيقة كاملة قبل الحكم فإذا ثبت التقصير جاءت المحاسبة بقدر المسؤولية وإذا ثبت أن الموظف بذل ما يستطيع ولم يحصل على الدعم وجب إنصافه وإذا ثبت النجاح استحق صاحبه التكريم
هذه هي المعادلة التي نحتاجها لا نريد مسؤولًا يخاف من النقد ولا مواطنًا يخاف من الكلام
نريد مسؤولًا يسمع ويحقق ويتخذ القرار
ونريد مواطنًا ينتقد من أجل الإصلاح لا من أجل التشهير ونريد إعلامًا يكشف المشكلة ثم يسأل ماذا حدث بعدها أما أن يصبح المشهد مجرد دورة تبدأ بالكشف وتنتهي بصورة تذكارية فنحن هنا أمام كوميديا سوداء كاملة الأركان المشكلة تظهر في المدرسة ثم تظهر على الشاشة ثم تظهر في التعليقات ثم تختفي من المشهد عندما تظهر شهادة التقدير
والطالب وحده يقف عند باب المدرسة ويسأل السؤال الذي لا يجد عادة مساحة كافية في كل هذا الضجيج: المدرسة اتصلحت ولا لسه؟
من هنا تصبح القضية أكبر من واقعة في مدرسة وأكبر من خلاف بين محافظ ومديرة أو مدير وأكبر من تكريم وزير القضية هي معنى المسؤولية نفسه المسؤولية ليست كرسيًا ولا لقبًا ولا صورة في اجتماع المسؤولية أن تعرف أن كل توقيع وكل قرار وكل ملف وراءه ناس وحقوق ونتائج ومن يتحمل مسؤولية مكان يجب أن يعرف أن النجاح له تقدير وأن التقصير إذا ثبتت مسؤوليته له حساب
وقديمة هي الحكمة التي تقول:
من أمن العقوبة أساء الأدب
لكن قوة الدولة ليست في العقوبة وحدها وإنما في عدالة الحساب لا إفراط في العقاب ولا تساهل مع التقصير لا ظلم لمن اجتهد ولا حماية لمن أهمل فالحزم الحقيقي أن يعرف كل مسؤول أن القانون يحميه إذا كان على حق ويحاسبه إذا ثبت خطؤه ونحن أيضًا أمام مسؤولية الشعب لا يكفي أن نغضب عندما يظهر فيديو ثم ننسى القصة بعد يومين
ولا يكفي أن نطالب بالمحاسبة ثم نفرح بأي تكريم من دون أن نسأل عن أسبابه
النقد الحقيقي ليس صرخة وتنتهي النقد الحقيقي سؤال يتبعه سؤال حتى نعرف ماذا تغير على الأرض وفي النهاية لا نريد معركة بين المحافظ والناس ولا مباراة بين وزير ومحافظ ولا حربًا على مواقع التواصل
نريد مدرسة جاهزة وطالبًا آمنًا ومعلمًا محترمًا ومسؤولًا يعرف واجبه ويعرف أن هناك من يراجعه فإذا كشف المسؤول الخلل فليُصلحه
وإذا أخطأ المسؤول فليُحاسب وإذا ثبتت براءة من ظُلم فليُنصف وإذا نجح من يستحق النجاح فليُكرّم أما أن نكشف ثم ننتقد ثم نتجادل ثم نكرّم ثم نعود لنكتشف المشكلة نفسها في مكان آخر فهذه ليست منظومة إصلاح هذه مجرد إعادة توزيع لأدوار المشهد ولذلك يبقى السؤال الذي يجب ألا ندفنه تحت الصور وشهادات التقدير إحنا عايزين نصلّح فعلًا؟ ولا عايزين بس نعرف مين اتصور ومين اتكرّم ومين كسب الجولة؟ لأن المواطن لا يدخل المدرسة بحثًا عن صورة المسؤول ولا عن شهادة تقدير المواطن يريد أن يدخل ابنه مدرسة جاهزة وهنا فقط يكون النجاح الحقيقي
أما غير ذلك فكل ما نفعله هو أن نغيّر أبطال المشهد ونترك المشكلة واقفة في مكانها….
تحياتى ومن عندياتى ،،،
*قرمشة:
– نتشاجر طويلًا على من أخطأ وننسى السؤال الأهم: من سيصلح الخطأ؟
– كثرة النقد لا تعني كثرة الإصلاح..
– عندما يكثر المسؤولون عن المشكلة ويقل المسؤول عن الحل تصبح المشكلة هي المسؤول الحقيقي…
– أسهل شيء أن تشير إلى الخطأ وأصعب شيء أن تتحمل مسؤولية إصلاحه…
– إذا انتهت المعركة وبقيت المشكلة فالجميع خسر
إلى اللقاء،،







