تحقيق رضوى السبكى
لم يعد من المقبول أن نضع كل شيء تحت شعار «حرية الفن» ثم نصمت.
حرية الإبداع لا تعني حرية الإساءة إلى الذوق العام، والانتشار لا يمنح أحدًا حصانة من النقد.
حمو المرشدي أصبح اسمًا حاضرًا في مشهد المهرجانات، وأعماله تحقق انتشارًا واسعًا. لكن كلما اتسعت دائرة الجمهور، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
ماذا نقدم لأبنائنا؟ ومن المسؤول عن المحتوى الذي يتصدر المشهد؟
«أنا ترند. أنا الرائج».. هل انتهى زمن الموهبة؟
عندما يصبح عنوان الأغنية نفسه قائمًا على فكرة «الترند» و«الرواج»، فنحن أمام ظاهرة تستحق التوقف.
لأن التريند ليس موهبة.
**والمشاهدة ليست قيمة فنية.
والضجة ليست نجاحًا حقيقيًا.**
المشكلة تبدأ عندما يقتنع الشباب بأن أقصر طريق للشهرة هو العبارة الأكثر صدمة، والحركة الأكثر إثارة، والمحتوى الأكثر قدرة على إشعال مواقع التواصل.
الكلمة التي تدخل عقل المراهق
بعض كلمات المهرجانات الحديثة تستخدم لغة تقوم على التحدي والتفاخر والصدام، وتظهر في بعض الأعمال عبارات مثل «هو لازم أكون بجح».
قد يراها البعض مجرد كلمات أغنية.
لكن عندما تتكرر أمام المراهق عشرات المرات، ويجد زملاءه يرددونها، ثم تتحول إلى فيديوهات وتقليد وتريند، تصبح القضية أكبر من أغنية.
نحن نتحدث عن تطبيع لغة معينة داخل جيل.
والسؤال هنا ليس هل يستطيع الشاب أن يرددها؟
هل هذه هي اللغة التي نريد أن نربي عليها أبناءنا؟
الإسفاف لا يصبح فنًا لأنه انتشر
هذه قاعدة يجب أن تكون واضحة.
إذا شاهد عشرة ملايين شخص محتوى هابطًا، فهذا لا يحوله إلى عمل راقٍ.
وإذا تصدر عمل قائمة ترند، فهذا لا يمنحه شهادة جودة.
وإذا امتلأت الحفلات بالجمهور، فهذا لا يعني أن كل ما يقدم على المسرح مقبول.
الجمهور يستطيع أن يصنع شهرة.. لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع قيمة فنية.
من يبيع المنتج؟ ومن يشتريه؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
هناك من ينتج.
وهناك من يروّج.
وهناك من ينظم الحفلات.
وهناك منصات تبحث عن المحتوى القادر على جذب أكبر عدد من المشاهدات.
وهناك جمهور يشارك حتى المحتوى الذي ينتقده، فيمنحه مزيدًا من الانتشار.
ثم يأتي الجميع في النهاية ليتساءل:
كيف وصلنا إلى هنا؟
وصلنا لأن هناك منظومة كاملة اكتشفت أن الإثارة أسرع بيعًا من الجودة.
المشكلة ليست حمو المرشدي وحده
من الخطأ تحميل شخص واحد مسؤولية أزمة أكبر من الجميع.
حمو المرشدي جزء من مشهد أوسع، لكن ظهوره وانتشاره يطرحان نموذجًا يستحق النقاش.
النقد ليس محاولة لإسكاته.
النقد هو سؤال مشروع:
ماذا يقدم الفنان لجمهوره عندما يصبح جمهوره بالأساس من الشباب؟
وهل الشهرة تعني أن كل ما يقدمه يجب أن يمر بلا مراجعة؟
بالطبع لا.
أين المسؤولون؟
إذا كانت هناك ضوابط مهنية على المحتوى الغنائي والأداء، فمن حق الجمهور أن يعرف:
من يراقب؟
من يحاسب عند التجاوز؟
ومن يمنع وصول المحتوى غير المناسب إلى الأطفال والمراهقين؟
ولا يكفي إصدار قرار أو تحذير ثم ترك المشهد يعود إلى النقطة نفسها.
المطلوب تطبيق واضح ومتساوٍ على الجميع.
هذه ليست حربًا على المهرجانات
نكررها حتى لا يحرف أحد القضية:
لسنا ضد المهرجانات.
لسنا ضد الموسيقى الشعبية.
لسنا ضد المطربين الشباب
نحن ضد أن يصبح الإسفاف هو الطريق الأسهل للشهرة.
نريد موسيقى جديدة، لكن لا نريد أن ندفع ثمن التجديد من رصيد الذوق العام.
نريد مطربين شبابًا، لكن نريد منهم أن ينافسوا بالموهبة، لا بقدرتهم على إثارة الجدل.
جيل كامل أمام الشاشة
الجيل الجديد لا يعيش مع الأغنية كما كنا نعيش معها.
الأغنية اليوم تدخل الهاتف، ثم تتحول إلى «ريلز»، ثم «تريند»، ثم تحدٍ، ثم تقليد.
المحتوى لم يعد يُسمع فقط.. أصبح يُقلد ويُعاد إنتاجه.
ولهذا فإن مسؤولية الفنان اليوم أكبر من أي وقت مضى.
قد لا تكون أغنية واحدة قادرة وحدها على تدمير جيل، ولا يجوز علميًا اختزال سلوك ملايين الشباب في مطرب أو عمل فني واحد.
لكن تجاهل تأثير المحتوى المتكرر على اللغة والذوق وما يعتبره الشباب طبيعيًا ومقبولًا هو تجاهل للخطر الحقيقي.
كفى أن يصبح الابتذال «حرية».
كفى أن تصبح الضجة «موهبة».
كفى أن تصبح المشاهدات «شهادة جودة».
كفى أن يتحول كل تجاوز إلى حجة جاهزة اسمها «الجمهور عايز كده».
الجمهور يستحق أفضل مما يقدم له.
والجيل الجديد يستحق أن يسمع موسيقى ترفع ذوقه، لا محتوى يجعله يعتقد أن الشهرة لا تحتاج إلى موهبة.
والوسط الفني مطالب بأن يجيب بوضوح:
من المسؤول عن هذه المهزلة؟
الفنان؟
المنصات؟
الرقابة؟
النقابة؟
أم الجميع؟
لأن ترك الباب مفتوحًا أمام المحتوى الهابط، ثم الشكوى من تراجع الذوق العام، هو ببساطة:
محاولة علاج النتيجة مع ترك السبب يعمل بلا توقف.
الفن الحقيقي لا يحتاج إلى ابتذال حتى ينتشر.. والموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى فضيحة حتى تُسمع.







