عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: من دولاب الباطنية إلى شاشة الموبايل

لم يعد مروج المخدرات بحاجة إلى الوقوف في زاوية مظلمة، أو الاختباء خلف باب دولاب مشبوه.. الجريمة طورت أدواتها، وارتدت قناع التكنولوجيا، وحاولت أن تدخل إلى البيوت من أوسع أبوابها: شاشة الهاتف.

لكن هناك حقيقة يجب أن تُقال بلا مواربة: المجرم يستطيع أن يغير طريقته.. لكنه لا يستطيع أن يغير حقيقة أنه مجرم.

فمن دواليب الباطنية والأماكن السرية إلى الحسابات والصفحات الإلكترونية، انتقلت محاولات ترويج السموم إلى مساحة جديدة، ظن بعض الخارجين على القانون أنها أكثر أمانًا وأبعد عن أعين الأجهزة الأمنية.

وهنا جاء الرد واضحًا: لا مكان آمنًا لتاجر المخدرات.. ولا شاشة تستطيع أن تحجب الجريمة عن عين القانون.

عندما يدخل السم إلى الهاتف

الخطر لم يعد في المخدر وحده، وإنما في محاولة تطبيع وجوده داخل المجتمع.

مروج السموم يريد أن يجعل الجريمة عادية، والتعاطي تجربة، والمخدر وسيلة للهروب، بينما الحقيقة أن المخدرات ليست لعبة ولا موضة ولا بطولة.

إنها طريق قد يبدأ بقرار عابر، وينتهي بأسرة تدفع الثمن، ومستقبل شاب ينهار، وجرائم أخرى قد تتولد من رحم الإدمان.

ولهذا فإن مواجهة الترويج الإلكتروني ليست معركة تقنية فقط، وإنما معركة دفاع عن عقول الشباب قبل أن تكون معركة لضبط صفحات وحسابات.

«الديلر» يختبئ خلف الشاشة.. والداخلية تبحث عن الحقيقة

التحركات الأمنية لم تعد أسيرة الشكل التقليدي للجريمة.

ومع ظهور أنماط جديدة للترويج عبر الفضاء الإلكتروني، أصبحت المواجهة أكثر اتساعًا، من خلال أعمال الرصد والتحري وجمع المعلومات، واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه من تثبت صلته بنشاط إجرامي.

وهنا تتأكد قاعدة لا يجب أن ينساها أحد:

اختفاء الوجه خلف شاشة لا يعني اختفاء الجريمة.

والاسم المستعار لا يصنع براءة، والصفحة الإلكترونية لا تمنح صاحبها حصانة، والتكنولوجيا التي يستخدمها المجرم يمكن أن تصبح في النهاية جزءًا من الأدلة التي تقوده إلى العدالة، وفقًا للقانون والإجراءات المقررة.

أخطر تجار السموم.. من يبيع «الوهم»

المواجهة الحقيقية ليست مع شخص يحمل مخدرًا فقط، وإنما مع منظومة تحاول إقناع الشباب بأن المخدرات شيء يمكن تجربته ثم التوقف عنه بسهولة.

هذه أكبر أكذوبة.

المخدرات لا تمنح السعادة.. بل تسرقها.

لا تمنح القوة.. بل تستنزف الإنسان.

ولا تصنع المستقبل.. بل يمكن أن تهدمه.

ومن هنا يصبح واجب الإعلام أن يواجه هذا الخطاب بلا تجميل، وأن يفضح الوهم الذي يبيعه تجار السموم، وأن يضع الحقائق أمام الشباب والأسر بوضوح كامل.

الشرطة وحدها لا تكفي

رغم أهمية الضربات الأمنية وملاحقة المتورطين، فإن المجتمع لن ينتصر في هذه المعركة إذا اكتفى بالمشاهدة.

الأسرة مطالبة بأن تعرف ما يحيط بأبنائها، والمدرسة مطالبة بالوعي، والإعلام مطالب بأن يقول الحقيقة، والمواطن مطالب بألا يصمت أمام نشاط إجرامي يهدد أبناءه ومجتمعه.

الوعي الشعبي ليس رفاهية.. وإنما خط دفاع حقيقي.

وكل معلومة تصل إلى الجهات المختصة عبر القنوات الرسمية قد تمنع جريمة، أو تنقذ شابًا، أو تحمي أسرة من كارثة.

رسالة أخيرة إلى تجار الموت

إلى كل من يعتقد أن الإنترنت أصبح ملاذًا جديدًا للجريمة:

أخطأتم العنوان.

إلى كل من يتصور أن الشاشة تخفيه:

الشاشة ليست حصانة.

وإلى كل من يبيع السموم للشباب بحثًا عن المال:

المجتمع لن يقبل أن يتحول أبناؤه إلى سوق لتجارتكم.

المعركة اليوم لم تعد بين شرطي ومروج في شارع مظلم، وإنما بين دولة تحمي مجتمعها وشبكات تحاول استغلال كل وسيلة متاحة للوصول إلى ضحاياها.

والحسم هنا لا يحتاج إلى شعارات.

يحتاج إلى يقظة أمنية لا تنام، ووعي شعبي لا يصمت، وإعلام لا يجامل، وقانون يطبق على كل من يثبت تورطه.

فالمخدرات قد تغيرت أدوات ترويجها، لكن الدولة لم تغير موقفها:

لا تسامح مع من يتاجر في عقول الشباب.. ولا مكان آمنًا لمن يجعل من التكنولوجيا ستارًا لتجارة الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى