حوادث وقضاياعاجل

حسين محمود يكتب: سقوط البلطجية

حين تتحول القوة إلى وسيلة لفرض النفوذ، والمال إلى أداة للترهيب، وتتحول الخلافات إلى استعراض للعضلات، يصبح الصمت خطرًا.. ويصبح تدخل الدولة ضرورة لا تحتمل التأجيل.

وهنا تأتي الرسالة الأقوى: الشارع ليس ملكًا لأحد.. والقانون ليس له استثناءات.

من صبري نخنوخ إلى إسماعيل دولار، تبرز أمام الرأي العام ملفات وتحركات أمنية وقضائية تؤكد أن الدولة مستمرة في مواجهة كل من يحاول صناعة نفوذ خارج إطار القانون، أو يعتقد أن الشهرة أو المال أو العلاقات يمكن أن تمنحه حصانة.

لكن يجب أن تبقى قاعدة العدالة واضحة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، وما يثار في أي قضية يظل محل تحقيق وفحص للأدلة أمام جهات التحقيق والقضاء.

الدولة لا تُختبر

البلطجة ليست مجرد «خناقة» تنتهي بانتهاء الواقعة.

الخطر الحقيقي يبدأ عندما يعتقد شخص أو مجموعة أن بإمكانهم تخويف المواطنين، أو فرض شروطهم بالقوة، أو استخدام النفوذ لإرهاب أصحاب الحقوق.

هنا لا يصبح الأمر خلافًا عاديًا، وإنما اختبارًا لهيبة القانون.

والدولة التي تحترم مواطنيها لا يمكن أن تسمح بأن يشعر مواطن بسيط أنه أعزل أمام شخص يمتلك المال أو القوة أو مجموعة من الأتباع.

القانون يجب أن يكون أقوى من الجميع.

من يرفع صوته بالقوة.. يسمع صوت القانون

ما يحدث في مثل هذه الملفات يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد ضبط لأشخاص، وإنما باعتباره رسالة إلى كل من يفكر في السير على الطريق نفسه.

لا أحد يستطيع أن يحول منطقة إلى نفوذ خاص.

لا أحد يستطيع أن يجعل المال بديلًا للقانون.

لا أحد يستطيع أن يفرض إرادته على المواطنين بالقوة.

ومن يملك حقًا فليذهب إلى المحكمة، ومن لديه خلاف فليحتكم إلى القانون، ومن يملك مشروعًا فليديره وفق القواعد.

أما استخدام القوة لفرض الأمر الواقع، فهذا هو الخط الذي لا يجوز تجاوزه.

الحرب لم تنتهِ

والأهم أن الدولة مطالبة باستمرار هذه المواجهة.

ليس فقط بضبط العناصر التي يثبت تورطها في وقائع البلطجة، وإنما بتجفيف مصادر النفوذ غير المشروع، وملاحقة كل من يثبت بالأدلة أنه يوفر حماية أو تمويلًا أو غطاءً لنشاط مخالف للقانون.

لأن القضاء على البلطجة لا يكون بإسقاط شخص واحد، وإنما بإسقاط الفكرة نفسها:

فكرة أن هناك شخصًا يستطيع أن يكون أقوى من القانون.

رسالة إلى كل من يظن نفسه فوق الحساب

امتلاك المال ليس جريمة.

الشهرة ليست جريمة.

النجاح ليس جريمة.

لكن تحويل أي من ذلك إلى وسيلة للضغط أو التهديد أو ترويع المواطنين، إذا ثبت بالأدلة، فهنا يصبح الأمر مختلفًا تمامًا.

وهنا يجب أن يكون رد الدولة حاسمًا:

من أخطأ يحاسب.. ومن ثبتت براءته ترد إليه حقوقه.. والقضاء هو الفيصل.

هذه هي دولة المؤسسات.

وهذه هي العدالة التي لا تعرف أسماءً ولا نجومًا ولا أصحاب نفوذ.

من نخنوخ إلى دولار.. الرسالة واحدة: لا أحد أكبر من الدولة، ولا أحد فوق القانون.

والحرب على البلطجة لن تنتهي ببيان أو ضبطية أو قضية واحدة..

الحرب الحقيقية هي أن يعود الشارع للمواطن، وتعود الهيبة للقانون، ويسقط وهم القوة أمام قوة الدولة.

لا كبير فوق القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى