عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: حين يتحول التحايل إلى جريمة صامتة

لم يعد الزواج العرفي مجرد “اجتهاد شخصي” أو “حل مؤقت” كما يروج البعض، بل تحول في كثير من الحالات إلى باب خلفي للفوضى الأخلاقية والتحايل على القانون، تُدفع كلفته من كرامة المرأة ومستقبل الأطفال. نحن أمام ظاهرة لا يمكن تلطيفها أو تجميلها، لأنها في حقيقتها قنبلة اجتماعية موقوتة تنفجر داخل البيوت قبل أن تظهر آثارها في ساحات المحاكم.

الحقيقة الصادمة أن كثيرًا من هذه العلاقات تُبنى منذ البداية على نية الهروب من المسؤولية، لا على تأسيس أسرة. أوراق تُكتب في الخفاء، بلا توثيق ولا ضمانات، تُستخدم كوسيلة استغلال أكثر من كونها عقدًا يحفظ الحقوق. وعند أول خلاف، يتحول “الزوج” إلى منكر، ويتحول العقد إلى مجرد ورقة بلا قيمة، وتبقى المرأة وحدها في مواجهة مصير قاسٍ.

القانون، رغم محاولاته الموازنة، يقف موقفًا واضحًا: لا حماية حقيقية لعلاقة اختارت أن تبقى خارج الإطار الرسمي. القضاء لا يعترف بسهولة بمثل هذه العقود عند المطالبة بالنفقة أو الميراث، ويغلق الباب أمام أي محاولة للالتفاف على قواعد التوثيق. هذا ليس تعسفًا، بل دفاع عن استقرار المجتمع ومنع تحويل الزواج إلى لعبة بلا ضوابط.

لكن المأساة الأكبر لا تتوقف عند المرأة، بل تمتد إلى الأطفال، الذين يجدون أنفسهم في معركة إثبات نسب، في مجتمع لا يرحم، وإجراءات قانونية معقدة قد تستمر لسنوات. صحيح أن القضاء يحاول إنصافهم، لكن بأي ثمن؟ طفولة تُستهلك في أروقة المحاكم، وكرامة تُجرح في كل جلسة.

الأخطر أن البعض يتعامل مع الزواج العرفي كوسيلة للتحايل: هروب من التعدد الرسمي، تهرب من التزامات مادية، أو استغلال لفتيات صغيرات تحت وهم “الزواج”. هنا لا نتحدث عن علاقة شخصية، بل عن نمط يفتح الباب لانهيار منظومة القيم، ويُفرغ الزواج من معناه الحقيقي كمسؤولية والتزام.

لا يمكن للمجتمع أن يقف محايدًا أمام هذه الفوضى. التساهل مع الزواج غير الموثق هو تساهل مع ضياع الحقوق، ومع صناعة أجيال تبدأ حياتها بأزمات قانونية ونفسية. المطلوب ليس فقط تشديد الرقابة، بل فضح هذه الممارسات ورفع الوعي بخطورتها، لأن الصمت لم يعد حيادًا.. بل مشاركة في الجريمة.

في النهاية، يجب أن تكون الرسالة حاسمة:

من يختار السرية، يتحمل نتائجها. ومن يهرب من القانون، لن يجد فيه ملاذًا عند النزاع.

الزواج ليس ورقة تُكتب في الظلام، بل عهد يُعلن أمام المجتمع والقانون. وأي طريق غير ذلك.. هو طريق للفوضى، مهما حاول البعض تزيينه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى