
في خضم الحديث عن قانون الأسرة الجديد، وتحت مظلة التوجيهات الصادرة عن عبد الفتاح السيسي لتحقيق العدالة، يظل ملف الظلم الواقع على الأب من أكثر الملفات حساسية وخطورة، لأنه يمس طرفًا أساسيًا في المعادلة الأسرية، كثيرًا ما يُنظر إليه باعتباره “ملزمًا” فقط، لا “صاحب حق”.
الواقع يكشف عن صور متعددة من هذا الظلم، تبدأ من لحظة الانفصال ولا تنتهي عند حدود الأحكام القضائية. فالأب قد يجد نفسه فجأة مطالبًا بسلسلة من النفقات المتراكمة التي لا تتناسب مع دخله الحقيقي، في ظل غياب دقيق لآليات تحقق عادلة من القدرة المالية. والأسوأ أن هذه الالتزامات لا تُراجع بشكل دوري يتماشى مع تغير الظروف، ما يجعل الأب أسير أرقام ثابتة في واقع اقتصادي متقلب.
لكن الظلم الأكبر لا يُقاس بالمال فقط، بل بالعلاقة التي تُنتزع منه تدريجيًا مع أبنائه. فحق الرؤية، في كثير من الحالات، يتحول إلى إجراء شكلي محدود بزمن ومكان، قد لا يتجاوز ساعات قليلة أسبوعيًا، وفي أماكن عامة تفتقد للخصوصية، وكأن العلاقة بين الأب وأطفاله أصبحت “موعدًا إداريًا” لا رابطة إنسانية. ومع غياب تفعيل حقيقي للاستضافة، يفقد الأب دوره التربوي، ويُختزل حضوره في حياة أبنائه إلى مجرد زائر.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ممارسات أكثر قسوة، حيث تُستخدم بعض القوانين كوسيلة ضغط. امتناع متعمد عن تنفيذ حكم رؤية، تعطيل متكرر، أو خلق نزاعات جديدة لإرهاق الأب قانونيًا ونفسيًا. وفي المقابل، تكون أدوات التنفيذ ضعيفة أو بطيئة، ما يجعل الأب في مواجهة معركة طويلة لاسترداد أبسط حقوقه.
أما عن الحبس في قضايا النفقة، فهو أحد أكثر أوجه الظلم إثارة للجدل. فبينما الهدف منه ضمان الحقوق، إلا أن تطبيقه في بعض الحالات يتحول إلى عقوبة قاسية ضد أب قد يكون غير قادر فعليًا، لا ممتنعًا بإرادته. وهنا، لا يُعاقب الأب فقط، بل تتضرر الأسرة بالكامل، لأن سجن العائل لا يُنتج مالًا، بل يزيد الأزمة تعقيدًا.
كما أن هناك بعدًا نفسيًا لا يمكن تجاهله. الشعور بالعجز، والحرمان من الأبناء، والضغوط المستمرة، كلها عوامل تدفع بعض الآباء إلى الانهيار أو الانسحاب من المشهد الأسري بالكامل. وهذه ليست خسارة فردية، بل خلل مجتمعي، لأن غياب الأب الفعلي يترك فراغًا خطيرًا في حياة الأبناء.
من هنا، فإن العدالة الحقيقية التي ينشدها قانون الأسرة الجديد لا يجب أن تكتفي بحماية طرف دون الآخر، بل يجب أن تعيد التوازن المفقود. المطلوب ليس إسقاط حقوق الأم أو الطفل، بل ضمان ألا تتحول هذه الحقوق إلى أداة ظلم على الأب.
نحن بحاجة إلى:
نظام نفقة عادل ومرن يرتبط بالدخل الحقيقي.
تفعيل حقيقي لحق الاستضافة بما يحفظ دور الأب.
آليات تنفيذ صارمة لأحكام الرؤية.
بدائل للحبس في حالات العجز الحقيقي.
لأن الأب، في النهاية، ليس خصمًا داخل الأسرة، بل أحد أعمدتها. وإذا انهار هذا العمود تحت وطأة الظلم، فإن البناء كله يصبح مهددًا بالسقوط.
إن قانون الأسرة الجديد أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون قانونًا يعيد لكل ذي حق حقه، أو يكرس اختلالًا جديدًا بشكل مختلف. والرهان اليوم ليس على النصوص، بل على تحقيق عدالة لا تُقصي أحدًا ولا تظلم أحدًا.







