لم تعد جماعة الإخوان تتحرك فى الشوارع كما كانت تفعل فى الماضى، بعدما فقدت شعبيتها وسقط مشروعها أمام وعي الشعوب، لكنها انتقلت إلى ساحة أكثر خطورة وتأثيراً، وهى ساحة “الحرب الإلكترونية”، عبر جيوش من الحسابات الوهمية واللجان المنظمة التى تمارس التحريض ونشر الأكاذيب بشكل يومى، مستهدفة مصر ودول الخليج وكل دولة عربية تحاول الحفاظ على استقرارها ووحدة مؤسساتها.
المتابع لما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعى يدرك بسهولة أن هناك حملات ممنهجة لا تعمل بصورة عشوائية، بل تتحرك وفق توقيتات مدروسة، فكلما اقتربت الدول العربية من بعضها أو ظهرت حالة من التوافق السياسى والتعاون الإقليمى، انطلقت الشائعات فجأة، وبدأت الصفحات المشبوهة فى ترويج الأكاذيب والادعاءات الكاذبة لإشعال الفتن وإثارة الغضب بين الشعوب العربية.
الأخطر أن هذه الحملات أصبحت تعتمد على أساليب احترافية فى التضليل، من خلال فيديوهات مفبركة، وعناوين مضللة، واقتطاع التصريحات من سياقها، إلى جانب استخدام الذباب الإلكترونى لإعادة نشر الأكاذيب آلاف المرات حتى تبدو وكأنها “حقيقة”. وهنا تتحول مواقع التواصل الاجتماعى إلى سلاح خطير فى يد جماعات الفوضى التى لا تبحث إلا عن إسقاط الدول وزعزعة الاستقرار.
ولا يمكن تجاهل حالة التطابق الواضح بين ما تروجه منصات الجماعة وبين الروايات التى تخرج من بعض المنصات الإسرائيلية المعادية، خاصة فيما يتعلق بمحاولات تشويه الدور المصرى فى المنطقة أو بث الشكوك حول العلاقات المصرية الخليجية. هذا التوافق فى الخطاب والأهداف يطرح علامات استفهام خطيرة حول حجم المصالح المشتركة بين الطرفين، طالما أن الهدف النهائى واحد وهو إضعاف الدولة الوطنية العربية وإشعال الانقسام الداخلى.
الحقيقة المؤلمة أن جماعة الإخوان لم تعد تمتلك أى مشروع سياسى أو فكرى، بل تحولت إلى ماكينة لإنتاج الفوضى والشائعات والكراهية، تعتمد على التمويل الخارجى والمنصات المشبوهة لبث السموم داخل المجتمعات العربية. فكلما نجحت دولة عربية فى تحقيق الاستقرار أو التنمية، تحركت تلك الأبواق لمحاولة التشويه والتحريض وبث الإحباط بين المواطنين.
كما أن استهداف العلاقات المصرية الخليجية ليس أمراً عابراً، لأن الجميع يعلم أن قوة العلاقة بين القاهرة والعواصم الخليجية تمثل أحد أهم عوامل استقرار المنطقة العربية فى مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية. ولذلك تعمل جماعات الفوضى بكل قوة على ضرب هذه العلاقات عبر حملات منظمة هدفها نشر الشك وإثارة الانقسامات.
المعركة اليوم لم تعد فقط معركة أمنية، بل أصبحت معركة وعى فى المقام الأول. فالدول تستطيع مواجهة الإرهاب بالسلاح، لكنها تحتاج أيضاً إلى وعى مجتمعى قادر على كشف الشائعات وعدم الانسياق خلف الأكاذيب التى يتم ضخها بصورة يومية عبر المنصات الإلكترونية.
ويبقى الرهان الحقيقى على وعى الشعوب العربية، لأن سقوط المجتمعات يبدأ دائماً من الشائعة، ومن فقدان الثقة، ومن السماح لأبواق الفوضى بأن تتحكم فى العقول. ولذلك فإن مواجهة هذه الحرب الإلكترونية لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة لحماية الأمن القومى العربى والحفاظ على وحدة الصف فى مواجهة مخططات تستهدف الجميع دون استثناء.







