عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: انتزاع وليس تبرعًا.. جسد المحكوم عليه بالإعدام ليس جزءًا من العقوبة

من السهل أن نتعاطف مع مريض ينتظر عضوًا ينقذ حياته. ومن الطبيعي أن يبحث الأطباء عن كل فرصة ممكنة لإنهاء معاناته. لكن السؤال الذي أثاره الدكتور حسام موافي بشأن الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام لا يمكن حسمه بالعاطفة وحدها. فبين الرغبة في إنقاذ مريض، وحق إنسان آخر في حرمة جسده، يقف حدّ لا يجوز تجاوزه بحجة أن الغاية نبيلة.

لقد طُرحت الفكرة في صورة سؤال عن جوازها القانوني والديني، ثم قوبلت باعتراض من نواب رأوا أن الحصول على أعضاء المحكوم عليه بصورة تلقائية لا يُسمى تبرعًا، بل انتزاعًا. وهذا الاعتراض يستحق أن نتوقف عنده؛ لأن الكلمة هنا تصف جوهر المسألة. التبرع يبدأ بإرادة صاحبه، أما أخذ العضو لمجرد صدور حكم بالإعدام فهو قرار يتخذه آخرون نيابة عنه.

حكم الإعدام عقوبة محددة، وليس صك ملكية تمنحه الدولة على جسد المحكوم عليه. قد يفقد الإنسان حريته بحكم القضاء، وقد تنفذ فيه العقوبة وفق القانون، لكن كرامته الإنسانية لا تصبح مباحة. وإذا قبلنا مبدأ التصرف في أعضائه لأنه «لن يحتاج إليها»، نكون قد نقلنا النقاش من التبرع لإنقاذ الحياة إلى استباحة الجسد بعد الإدانة.

والدستور المصري واضح في أصل المسألة: لجسد الإنسان حرمة، والتبرع بالأعضاء حق يمارسه الإنسان أثناء حياته أو بعد مماته بموافقة أو وصية موثقة. كما تشترط القواعد المنظمة لزرع الأعضاء أن يصدر التبرع عن إرادة حرة، بعيدًا عن الإكراه والضغط النفسي. لذلك لا تكفي الإشارة إلى احتياج المرضى، ولا يكفي افتراض موافقة المحكوم عليه، لتجاوز هذه الضوابط.

بل إن الموافقة نفسها، إذا صدرت من شخص ينتظر الإعدام، تطرح سؤالًا بالغ الصعوبة: هل اتخذ قراره بحرية كاملة؟ هل فهم ما سيحدث؟ وهل شعر أنه يستطيع الرفض من دون أي ضغط؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها ورقة تحمل توقيعًا فقط، وإنما تحتاج إلى ضمانات مستقلة تحمي الإنسان وتحمي الأطباء وثقة المجتمع في منظومة التبرع.

ولا ينبغي أن يتحول الاعتراض على الفكرة إلى تجاهل مأساة مرضى زراعة الأعضاء. هؤلاء يحتاجون إلى حلول حقيقية: نشر ثقافة التبرع الطوعي، وتيسير توثيق الوصية، وتنظيم قوائم الانتظار بشفافية، وضمان عدالة حصول المرضى على الأعضاء وفق الحاجة الطبية. هذا طريق قد يتطلب عملًا أطول، لكنه يبني الثقة التي تقوم عليها أي منظومة ناجحة للتبرع.

إنقاذ حياة إنسان غاية عظيمة، لكن عظمتها لا تمنحنا حق تجاوز إرادة إنسان آخر. ولهذا فإن العبارة الأصدق في هذا الجدل هي أيضًا الأشد حسمًا: *ما يُمنح بحرية تبرع، وما يُؤخذ بغيرها انتزاع؛ وحكم الإعدام لا يغير معنى أيٍّ منهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى