
أجاب الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية عبر موقع دار الإفتاء الرسمي، سؤال ورد إلى الدار حول “ما حكم تعامل بعض الأفراد من الموظفين مع البيانات الصحية الشخصية للمرضى والقيام بجمعها وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ وهل يجوز بيع هذه البيانات لشركات التأمين أو الأدوية؟”.
وقال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إن بيع بيانات المرضى مقابل مبلغ من المال دون إذن أصحابها محرم شرعًا وممنوع قانونًا.
الكسب المحرم
وأضاف مفتي الجمهورية، أن قيام بعض الأفراد الذين يعملون في إحدى الجهات أو الهيئات الصحية بجمع وتحليل البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى عن طريق برامج الذكاء الاصطناعي، والعمل على بيعها لشركات التأمين أو الأدوية مقابل مبلغ من المال دون إذن أصحاب تلك البيانات -فعلٌ محرم شرعًا وممنوع قانونًا، إذ إن هذه البيانات من جملة الأسرار والأمانات التي يجب حفظها.
وأوضح مفتي الجمهورية، أنَّ التفريط في البيانات الصحية مقابل مبلغ من المال فيه من الخيانة، وبيع الشخص ما لا يملكه، والكسب المحرم شرعًا.
وقال إنه مِن المقرر شرعًا أنَّ العمل أمانة، وأنَّ الإنسان مأمورٌ بأن يؤدي الأمانة التي ائتُمن عليها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] فكل عامل أمين على عمله ومسؤول عنه، فعن عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أخرجه الشيخان.
وتابع: الموظف في عمله راعٍ على ما أُسند إليه من عمل، ومسؤولٌ عنه أمام الله تعالى، وهو مؤتمن على العمل الذي كُلف به وفوض إليه، ومؤتمن كذلك -بحكم وظيفته- على ما يقع تحت يده من الملفات التي بها بيانات شخصية خاصة بالعملاء، وهذه البيانات تُعد من قبيل “الأسرار” والسر أمانةٌ من الأمانات التي يجب حفظها، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: «أسرَّ إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرًّا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به» أخرجه البخاري.
وقال الإشارة في النصوص عامة تشمل جميع الأمانات كما قال الإمام ابن كثير في “تفسيره” (2/ 338، ط. دار طيبة): [وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة] اهـ.
حكم بيع البيانات الصحية للمرضى والتكسب منها
واشار إلى أن البيانات الصحية الشخصية: هي عبارة عن المعلومات والتقارير الطبية المتعلقة بالصحة البدنية والعقلية والنفسية للشخص ونتائج الفحوصات المخبرية، وهي داخلة في عموم الأمانات الواجب حفظها من حيث كونها من الأسرار التي لا يريد المريض أن يطَّلِع عليها أحد، ومن ثَمَّ فإن قيام بعض الأفراد من العاملين في الجهات الصحية باستخدام الذكاء الاصطناعي في جمع وتحليل البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى -والتي هي تحت أيديهم بحكم وظيفتهم- والعمل على بيعها لشركات التأمين أو الأدوية خارج نطاق العمل هو من قبيل خيانة الأمانة التي ائتُمنوا عليها، وقد نهى الإسلام عن خيانة الأمانة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من صفات المنافقين وعلاماتهم خيانة الأمانة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» أخرجه البخاري.
والبيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى هي ملك لهم، والموظفون أمناء على هذه البيانات، فبيعهم لها لا يصحُّ؛ لأنَّ المبيع غير مملوك للبائع، ومن المقرر شرعًا أنه يشترط لصحة البيع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع؛ لما ورد عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله الرجل يسألني البيع وليس عندي، أفأبيعه؟ قال: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رواه الترمذي وابن ماجه.
وهو ما اتفق عليه الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، قال العلامة الكاساني الحنفي في “بدائع الصنائع” (5/ 146- 147، ط. دار الكتب العلمية): [(ومنها): وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكًا للبائع عند البيع، فإن لم يكن لا ينعقد] اهـ.
كما أن جمع البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى وتحليلها عبر برامج الذكاء الاصطناعي وبيعها لشركات التأمين أو الأدوية والتكسب من وراء ذلك يُعد من صور الكسب المحرم شرعًا؛ لأنه ناتج عن اتخاذ الأسباب المحرَّمة في المكاسب، كخيانة الأمانة والتعدي على حقوق المريض بإفشاء أسراره دون إذنه، وقد أمرنا الشرع الشريف بالسعي في طلب الرزق الحلال والبعد عن الكسب الحرام، وأن يكون الإنسان حريصًا على إطابة ماله؛ لأنه مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» أخرجه الترمذي.
وأكد مفتي الجمهورية أنه يستثنى من ذلك بعض الحالات التي يكون فيها نقل البيانات الصحية الشخصية لغرض معين يمس الصالح العام كما في حالة الأبحاث الطبية الإكلينيكية، أو العمل على إعداد مصل وقائي يمنع من تفشي الأمراض المعدية، ففي هذه الحالات يُسمح بنقل التقارير الطبية الخاصة بالمريض للجهات المختصة دون التَّعرُّض للمعلومات الشخصية للمريض كاسمه وعنوانه إلَّا بإذنه بعد رجوع الجهة إليه.







