حوادث وقضاياعاجل

الساحل الشمالي تحت الحصار القانوني.. لا حصانة لرجل أعمال ولا ستار يحمي أموال الجريمة

تحقيق- حسين محمود

لم تعد المواجهة مع الجريمة تتوقف عند الشارع أو عند لحظة ضبط المخدرات. المعركة الحقيقية تبدأ عندما تسأل الدولة السؤال الأصعب: من أين جاءت الأموال؟ وإلى أين ذهبت؟ ومن يقف خلفها؟

ومع ضخامة حجم النشاط السياحي والترفيهي في الساحل الشمالي، تصبح الرقابة على الأنشطة المشبوهة ومصادر الأموال والتحركات المالية مسؤولية لا تحتمل التهاون. وهنا تظهر أهمية الدور الذي تقوم به أجهزة وزارة الداخلية، وفي مقدمتها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، في مواجهة شبكات الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، بالتنسيق مع الجهات المختصة.

لقب «رجل أعمال» لا يصنع حصانة

هناك فارق كبير بين رجل أعمال يمارس نشاطًا مشروعًا ويحقق أرباحًا معلومة المصدر، وبين شخص يحاول استخدام واجهة تجارية أو اجتماعية لإخفاء أموال غير مشروعة.

الاسم اللامع لا يمحو الجريمة، والسيارة الفارهة لا تجعل المال مشروعًا، والحفلات الباهظة لا تمنح صاحبها حماية من القانون.

وعندما تتوافر معلومات أو مؤشرات تستوجب الفحص، فإن الجهات المختصة تستطيع ـ وفق القانون ـ إجراء التحريات وتتبع النشاط المالي، ومقارنة الأموال بحجم وطبيعة النشاط المعلن، وصولًا إلى تحديد مدى وجود شبهة جنائية من عدمها.

المعركة ليست ضد السهر.. وإنما ضد استغلاله

الساحل الشمالي مليء بالأنشطة السياحية والترفيهية المشروعة، ولا يجوز وضع الجميع في سلة واحدة.

لكن الخطورة تبدأ عندما يحاول البعض استغلال أجواء السهر أو المنشآت التجارية أو العلاقات الاجتماعية كغطاء لجرائم أخرى، سواء كانت اتجارًا بالمخدرات أو غسل أموال أو غيرها من الجرائم.

وهنا تصبح الضربة الأمنية الحقيقية ليست مجرد ضبط شخص أو كمية من المخدرات، وإنما الوصول إلى الشبكة كاملة، وتحديد مصادر التمويل، وتتبع العائدات، وكشف المستفيدين منها، ثم تقديم من تثبت مسؤوليته إلى جهات التحقيق والقضاء.

الأموال المشبوهة لا تختفي بتغيير شكلها

المال الناتج عن جريمة لا يصبح مشروعًا لمجرد إدخاله في نشاط تجاري أو إنفاقه على مظاهر الرفاهية.

ولهذا فإن مكافحة غسل الأموال تعتمد على تتبع حركة المال ومصدره واستخداماته، وليس فقط النظر إلى الشخص أو الواجهة التي يظهر بها.

وهنا يجب أن تكون الرسالة حاسمة:

من يملك المال المشروع لا يخشى التدقيق، ومن يملك نشاطًا قانونيًا لا يحتاج إلى ستار، ومن تثبت التحقيقات تورطه فعليه أن يواجه القانون دون تفرقة.

«و. ع» وأي اسم آخر.. الاتهام لا يصدر من صفحات الصحف

أما الأسماء أو الأحرف التي تتردد في الأحاديث، فلا يجوز نشرها باعتبارها متهمة أو تحت الرصد من الأجهزة الأمنية من دون مستند رسمي واضح.

الصحافة تكشف الوقائع الموثقة، ولا تصنع اتهامات.

لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يفهم أحد من ذلك أن الشهرة أو المال أو العلاقات تمنح حصانة. فإذا كشفت التحريات الرسمية عن تورط أي شخص في جريمة، فإن الفيصل هو الدليل والإجراءات القانونية والقضاء.

الداخلية لا تطارد الواجهة.. بل تطارد الجريمة

القوة الحقيقية في المواجهة الأمنية ليست في كثرة البيانات أو التصريحات، وإنما في القدرة على الوصول إلى الجريمة قبل تمددها، وتجفيف منابع تمويلها، وملاحقة الشبكات التي تقف خلفها.

ومن هنا تأتي أهمية استمرار جهود الإدارة العامة لمكافحة المخدرات والأجهزة المعنية في الساحل الشمالي وغيره من المناطق التي تشهد كثافة سياحية وترفيهية.

الساحل ليس منطقة فوق القانون، ورجل الأعمال ليس فوق الحساب، وملايين السهر ليست فوق السؤال المشروع عن مصدرها.

وفي النهاية، تبقى القاعدة الذهبية التي لا تتغير:

لا أحد يُدان بالشائعة، ولا أحد يحتمي بالشهرة، ولا مال غير مشروع يمكنه أن يختبئ إلى الأبد خلف واجهة لامعة.

إذا ثبتت الجريمة فالقانون حاضر، وإذا لم تثبت فحق المواطن في سمعته مصون.

وهنا تحديدًا تكون هيبة الدولة الحقيقية: قانون يطارد الجريمة بلا تمييز، ويحمي الأبرياء بلا استثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى