
أكدت الدكتورة آمال إبراهيم أن ذكرى نصر أكتوبر المجيد لا ينبغي أن تتوقف عند استحضار بطولات الجنود الذين عبروا قناة السويس واستعادوا الأرض، وإنما يجب أن تكون مناسبة لطرح سؤال أكثر ارتباطًا بالمستقبل، وهو: كيف نحول ذاكرة أكتوبر من ذكرى نحتفل بها كل عام إلى قيمة يعيشها أبناؤنا كل يوم؟
وقالت الدكتورة آمال إبراهيم إن الأوطان لا تحافظ عليها الذاكرة وحدها، كما أن الهوية الوطنية لا تُبنى بمجرد حفظ أسماء المعارك والشخصيات والتواريخ، وإنما تتشكل عندما يشعر الطفل بأن الوطن جزء من هويته، وأنه في الوقت نفسه جزء من مسؤولية هذا الوطن ومستقبله.
وأضافت أن نصر أكتوبر يمثل نموذجًا واضحًا لما يستطيع الإنسان تحقيقه عندما يجتمع الانتماء مع الإيمان بالهدف، والتخطيط مع العلم، والتضحية مع المسؤولية، مؤكدة أن أكتوبر يمكن أن يتحول إلى درس تربوي مهم في بناء الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
الانتماء يأتي قبل المعرفة
وأوضحت الدكتورة آمال إبراهيم أن بناء الهوية الوطنية يبدأ من الشعور بالانتماء قبل المعرفة، قائلة: “قبل أن نطلب من الطفل أن يحفظ أسماء القادة أو تواريخ المعارك، نحتاج أن نزرع داخله شعورًا بسيطًا: هذا وطني وأنا جزء منه”.
وأكدت أن الطفل الذي يشعر بالانتماء سيبحث بنفسه عن تاريخ وطنه، ويفخر بإنجازاته، ويدرك أن الحفاظ عليه مسؤولية حقيقية وليست مجرد شعارات.
الأسرة المدرسة الأولى للهوية الوطنية
وأشارت إلى أن الهوية الوطنية لا تُدرس داخل المدرسة فقط، وإنما تبدأ من الأسرة، عندما يرى الطفل والديه يحترمان القانون، ويحافظان على الممتلكات العامة، ولا يلقون القمامة في الشارع، ويحترمان العامل، ويساعدان الآخرين، ويختلفان مع الآخرين دون إهانة أو كراهية.
وأكدت أن الطفل يتعلم المواطنة من خلال السلوك الذي يراه أمامه، وليس فقط من خلال الكلمات والمحاضرات، موضحة أن حب الوطن يُبنى بالممارسة اليومية قبل أن يتحول إلى شعارات.
ربط تاريخ أكتوبر بحاضر الأجيال الجديدة
وشددت الدكتورة آمال إبراهيم على ضرورة ربط نصر أكتوبر بالحاضر، وعدم تقديمه باعتباره مجرد حدث انتهى عام 1973، داعية إلى طرح أسئلة على الأبناء من بينها: ماذا قدم جيل أكتوبر لمصر؟ وماذا يستطيع جيلي أن يقدم لمصر اليوم؟
وقالت إن المعركة تغيرت، فهناك من يحمي الوطن بسلاحه، وهناك من يحميه بعلمه، والطبيب يحميه بعمله، والمعلم يبني أجياله، والمهندس يساهم في بناء مؤسساته، والشاب يحافظ على بيئته، والمواطن يحترم القانون ويؤدي عمله بإتقان.
وأكدت أن لكل جيل معركته، وعلى كل جيل أن يعرف كيف يخدم وطنه.
اللغة والثقافة والذاكرة المشتركة
وأوضحت أن الهوية الوطنية لا تعيش في الكتب فقط، وإنما توجد في اللغة التي نتحدث بها، والأغاني التي نحفظها، والحكايات التي ورثناها، والأدب والفن، والمطبخ المصري، والمناسبات، والعمارة، والأماكن التاريخية وذكريات الأجداد.
وأضافت أن هذه التفاصيل الصغيرة تصنع ما يمكن تسميته بالذاكرة المشتركة، مشيرة إلى أن الطفل عندما يعرف حكاية بلده، ويتعرف على رموز ثقافته، ويقرأ أدبه، ويشاهد فنه، ويزور أماكنه التاريخية، يصبح الوطن بالنسبة إليه شيئًا يعيشه وليس مجرد اسم على خريطة.
تحويل المواطنة من شعار إلى سلوك
وأكدت الدكتورة آمال إبراهيم أن من أخطر الأخطاء اختزال الوطنية في رفع العلم وترديد الشعارات، مشددة على أن الوطنية الحقيقية تظهر في التفاصيل اليومية، ومنها احترام القانون، والحفاظ على البيئة، وعدم إتلاف الممتلكات العامة، واحترام العمل، ومساعدة الآخرين، ورفض التنمر والتمييز، والالتزام بالمسؤولية والمشاركة في خدمة المجتمع.
وقالت إن “الوطنية الحقيقية تبدأ من السلوك الذي لا يراه أحد”.
بناء الهوية الرقمية
ولفتت إلى أن الأجيال الجديدة تواجه معركة مختلفة لم تكن موجودة في زمن نصر أكتوبر، موضحة أن الطفل اليوم يعيش جزءًا كبيرًا من عالمه على الشاشة، وقد يعرف مؤثرًا على «تيك توك» أكثر مما يعرف شخصية مصرية صنعت فارقًا في العلم أو الفن أو التاريخ.
وأكدت أن الحل ليس في مطالبة الأبناء بالابتعاد عن المحتوى الأجنبي فقط، وإنما في صناعة محتوى مصري وعربي جذاب ينافس في الجودة واللغة والصورة والإبداع، ويحكي قصص النجاح والعلماء والفنانين والأبطال والتاريخ والثقافة والإنجازات المصرية، بلغة يفهمها الشباب ويحبونها.
وقالت إن الهوية الوطنية لها مساحة على الإنترنت، ومن لا يصنع محتواه سيترك الآخرين يصنعون صورة أبنائه عن وطنهم.
مشاركة الشباب تعزز الانتماء
وشددت الدكتورة آمال إبراهيم على أهمية منح الشباب فرصًا حقيقية للمشاركة، مؤكدة أنه لا يمكن مطالبتهم بالشعور بأنهم شركاء في الوطن ثم التعامل معهم باعتبارهم مجرد متلقين.
ودعت إلى إشراكهم في المبادرات التطوعية، والمشروعات البيئية، والأنشطة الثقافية، وخدمة المجتمع، والمجالس والأنشطة الشبابية، والمشروعات التي تجعلهم يرون بأعينهم أن أفكارهم يمكن أن تصنع تغييرًا.
وأكدت أن الانتماء يقوى عندما يشعر الإنسان بأن له دورًا حقيقيًا في المكان الذي ينتمي إليه.
الهوية الوطنية لا تعني كراهية الآخر
وأكدت أن بناء الهوية الوطنية يجب ألا يكون قائمًا على رفض الآخر، موضحة أن حب الوطن لا يحتاج إلى كراهية وطن آخر، وأن الاعتزاز بالهوية لا يعني رفض الاختلاف.
وقالت: “نريد طفلًا يقول: أنا مصري، أعتز بثقافتي وتاريخي، وأحترم ثقافات الآخرين، أنا جزء من وطني، ولذلك لي حقوق وعليَّ مسؤوليات”.
وأوضحت أن هذه هي الهوية الوطنية الصحية؛ هوية تمنح الإنسان جذورًا دون أن تغلق عليه العالم.
واختتمت الدكتورة آمال إبراهيم تصريحاتها بالتأكيد على أن أبطال نصر أكتوبر لم يدافعوا فقط عن أرض، وإنما دافعوا عن وطن وذاكرة ومستقبل وأجيال لم تكن قد ولدت بعد.
وقالت إن مسؤولية الجيل الحالي هي الحفاظ على ما وصل إليه، وتسليم الأبناء وطنًا يعرفون قيمته، وثقافة يعتزون بها، وتاريخًا يفهمونه، ومستقبلًا يشعرون أنهم شركاء في صناعته.
واختصرت معادلة بناء الهوية الوطنية في: “الهوية الوطنية = انتماء + ذاكرة + قيم + مشاركة + مسؤولية”، مؤكدة أنه إذا أردنا جيلًا يحمي وطنه، فلا يكفي أن نحكي له كيف انتصر أجداده في أكتوبر، وإنما علينا أن نعلمه كيف يكون هو أيضًا جديرًا بهذا الوطن.







