عاجلمقالات

على محمدين يكتب: الضرائب في مصر.. من التحصيل إلى بناء الثقة

لم تعد الضرائب مجرد أرقام تُحصَّل في نهاية العام، بل أصبحت اختبارًا مهمًا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين حق الخزانة العامة في مواردها، وحق المواطن وصاحب النشاط في معاملة واضحة وعادلة. فكلما شعر الممول بأن القواعد مفهومة، والإجراءات مستقرة، والفحص يستند إلى مستندات حقيقية، زادت فرص الالتزام الطوعي واتسعت القاعدة الضريبية.

ومن أحدث التطورات التي شهدها الملف الضريبي إعلان مصلحة الضرائب في سبتمبر 2026 إلغاء المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل، بما ينهي الأساس التشريعي للمحاسبة التقديرية والجزافية، ويمهد للاعتماد على الفحص الإلكتروني والمستندي والفواتير والإيصالات الرقمية. ووفقًا لما أعلنته المصلحة، تستمر التعليمات الحالية للفترات الضريبية حتى عام 2027، على أن يبدأ التطبيق الكامل للاعتماد على الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية اعتبارًا من الفترة الضريبية لعام 2028.

هذه الخطوة مهمة؛ لأنها تعالج واحدة من أكثر النقاط التي تثير الخلاف بين الممول والإدارة الضريبية: تقدير الأرباح بعيدًا عن الحسابات الفعلية. لكن نجاحها لن يتوقف على تعديل النصوص وحده، بل على وضوح آليات الفحص، وسهولة الاعتراض، وتدريب العاملين والممولين على النظام الجديد، وضمان أن تكون البيانات الرقمية أداة لتحقيق العدالة لا مصدرًا لتعقيد الإجراءات.

وفي مسار التيسير، تتيح المنظومة القائمة حوافز ومزايا للمشروعات الصغيرة التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، وفقًا للقانون رقم 6 لسنة 2025، بهدف تشجيعها على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي. كما امتد التحول الرقمي إلى خدمات ضريبة التصرفات العقارية، مع إتاحة إجراءات إلكترونية عبر تطبيق للهواتف المحمولة، في خطوة تختصر الوقت وتخفف الحاجة إلى التنقل بين المأموريات.

ومن التطورات أيضًا تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية حتى 31 ديسمبر 2026، لإتاحة فرصة لتسوية النزاعات بإجراءات مبسطة وخارج مسار التقاضي المطول. وهذه فرصة يحتاج إليها الممولون والدولة معًا: الممول ينهي ملفًا عالقًا ويستعيد وضوح موقفه، والخزانة العامة تسرّع تحصيل المستحقات وتخفف الضغط على المحاكم ولجان الطعن.

والتحول الرقمي يفتح بابًا أوسع للشفافية، خصوصًا مع الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني وتكويد السلع والخدمات. وقد أعلنت المصلحة أن متوسط مدة رد ضريبة القيمة المضافة تراجع إلى 22 يومًا، مقارنة بالمهلة القانونية البالغة 45 يومًا، كما أشارت إلى التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وتطوير الخدمات. لكن معيار النجاح الحقيقي هو أن يلمس الممول هذه السرعة في معاملاته اليومية، وأن يحصل على إجابة واضحة عند الاستفسار أو الاعتراض.

إن الإصلاح الضريبي لا يُقاس بعدد القرارات الجديدة، بل بمدى استقرار القواعد وتطبيقها بعدالة على الجميع. فلا يصح أن تتحمل المنشآت الملتزمة العبء الأكبر، بينما يظل جزء من النشاط الاقتصادي خارج المنظومة. كما لا يصح أن تتحول الرقمنة إلى واجهة إلكترونية لإجراءات معقدة؛ فالتكنولوجيا تنجح حين تختصر الطريق، وتقلل الاحتكاك، وتمنح كل ممول سجلًا واضحًا يمكن مراجعته.

المطلوب في المرحلة المقبلة أن تستمر التسهيلات، وأن تُشرح التعديلات بلغة بسيطة، وأن تتوافر قنوات فعالة لحل المشكلات، مع محاسبة حاسمة للتهرب والتلاعب. فالضريبة العادلة ليست عبئًا على التنمية، بل مورد لتمويل الخدمات العامة وبناء الدولة؛ غير أن العدالة تقتضي أن يدفع كل مكلف ما يستحقه فعلًا، وفق قواعد معلنة ومستقرة.

الخلاصة: الضرائب المصرية تتحرك نحو منظومة أكثر اعتمادًا على البيانات والرقمنة، مع خطوات لتسوية المنازعات وتخفيف الإجراءات. والرهان الآن هو أن تتحول هذه التطورات إلى ثقة ملموسة: فحص منصف، خدمة أسرع، وقواعد يعرفها الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى