عاجلمقالات

إبراهيم فياض يكتب: الكلام والمبدأ

 

هناك فرقٌ كبير بين الإنسان الذي يملك مبدأ، والإنسان الذي يملك مصلحة.

الأول يزن الأمور بميزان الحق، أما الثاني فيزنها بميزان المكسب والخسارة.

الأول يبقى ثابتًا ولو خسر الدنيا، والثاني يغيِّر أقواله كلما تغيَّرت مصلحته.

ولذلك كان ثبات المبدأ من أعظم علامات الإيمان، لأن المؤمن يعلم أن الذي يراقبه هو الله، لا الناس، وأن الذي سيحاسبه هو الله، لا المجتمع، وأن الحق لا يتغير بتغير الظروف ولا بتبدل الأهواء.

المبادئ لا تُختبر عندما تكون في صالحك، وإنما تُختبر عندما تكون ضد رغبتك.

فمن السهل أن تطالب بالعدل إذا كنت مظلومًا، ولكن الامتحان الحقيقي أن تقبل العدل إذا كان سيأخذ من مالك أو جاهك أو نفوذك.

ومن السهل أن تتحدث عن الأمانة إذا كنت تطلب حقك، لكن الصدق يظهر عندما يكون عندك حق لغيرك تستطيع إخفاءه أو إنكاره دون أن يراك أحد.

ولهذا قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

تأمل قوله: ولو على أنفسكم.
فالمبدأ لا يتغير إذا أصبحت أنت المستفيد من مخالفته، ولا يسقط لأن المخالفة ستجلب لك مالًا أو راحة أو مكسبًا.

كم من إنسان يغضب إذا غشَّه البائع، ثم يغش الناس إذا صار هو البائع.

وكم من موظف يشكو الظلم سنوات، فإذا جلس على كرسي الإدارة مارس الظلم نفسه على من تحته.

وكم من شخص يكره المحسوبية إذا حرمته من فرصة، ثم يبحث عنها إذا كانت ستمنحها لابنه أو قريبه.

وكم من إنسان يحتج على الكذب إذا كان ضده، ثم يراه ذكاءً إذا كان في مصلحته.

هذه ليست مبادئ، بل مصالح متنقلة.

الحق لا يتبدل بتبدل الوجوه. فما كان حرامًا بالأمس يبقى حرامًا اليوم وغدًا، وما كان عدلًا يبقى عدلًا مهما تغيَّرت الأسماء والمبررات.

السرقة لا تصبح اجتهادًا لأنها وقعت بين الأقارب.
والغش لا يصبح شطارة لأنه حقق ربحًا.
وشهادة الزور لا تصبح مروءة لأنها نُصرة لصديق.
والخيانة لا تصبح وفاءً لأنها كانت من أجل العائلة.
والكذب لا يصبح حكمة لأنه أنقذ صاحبه من موقف محرج.

المبدأ لا يعرف هذه الألوان الرمادية التي يصنعها الهوى.

ولهذا كان القرآن شديدًا في التحذير من اتباع الهوى، فقال الله تعالى:
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾.

فالهوى هو أول من يعبث بالمبادئ، لأنه يجعل الإنسان يرى الخطأ صوابًا إذا وافق رغبته، ويرى الصواب خطأً إذا خالف مصلحته.

انظر إلى نبي الله نوح. لم يغيِّر دعوته لأن قومه سخروا منه، ولم يساوم على الحق ليكسب رضاهم.

بقي ثابتًا قرونًا يدعو إلى ما أمره الله به، مع أن الثبات كلَّفه السخرية والتكذيب والأذى.

وانظر إلى إبراهيم عليه السلام، حين وقف وحده في وجه قومه، لم يقل:
“كل الناس يفعلون ذلك”.
لم يجعل الكثرة دليلًا على الحق، بل جعل الوحي هو الميزان.

ولو كانت المبادئ تُباع وتشترى لما أُلقي في النار.

وانظر إلى يوسف عليه السلام، حين دُعي إلى المعصية وكانت الأبواب مغلقة ولا يراه أحد من البشر، قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾.

كان يستطيع أن يبرر لنفسه، لكنه لم يفعل؛ لأن المبدأ لا يتغير في الخلوات كما لا يتغير أمام الناس.

وانظر إلى موسى عليه السلام، حين وقف أمام فرعون، لم يخف سلطانًا ولا ملكًا، لأن صاحب المبدأ يعلم أن القوة الحقيقية ليست في يد البشر، وإنما بيد الله.

ولهذا كان النبي ﷺ مضرب المثل في الثبات على المبادئ، حتى قال:
«والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

لم يجعل القرابة سببًا لتعطيل العدل، لأن العدل إذا سقط أمام الأقارب فلن يبقى عدلًا.

وقال ﷺ: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

هذا هو انهيار المبادئ:
أن يصبح الحكم على الأشخاص لا على الأفعال.

كم من إنسان ينكر الخطأ إذا صدر من خصمه، ثم يدافع عن الخطأ نفسه إذا صدر ممن يحب.

إذا تكلم به صديق قال: اجتهاد.
وإذا تكلم به غيره قال: جريمة.

إذا أخطأ قريبه قال: ظروف.
وإذا أخطأ البعيد قال: سوء أخلاق.

إذا انتفع هو قال: رزق.
وإذا انتفع غيره قال: فساد.

هذه ليست عدالة، وإنما ازدواجية.

قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

حتى مع من تبغض، أنت مأمور بالعدل. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمن تحب؟

ومن أخطر ما يقتل المبادئ كثرة التبرير.

فكل خطأ يجد له صاحبه قصة يرويها، وكل ظلم يجد له عذرًا يختبئ خلفه، حتى يصدق الإنسان نفسه، ويظن أن كثرة الأعذار تغير حقيقة الفعل.

لكن الله لا يحاسب على البلاغة في تزيين الأخطاء، وإنما يحاسب على حقيقة العمل.

قال تعالى:
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.

فقد يقنع الإنسان الناس، لكنه لا يخدع الله.
وقد يربح جدلًا، لكنه يخسر ميزانًا.
وقد ينتصر أمام الخلق، لكنه يقف يوم القيامة منفردًا، لا يحمل عنه أحد كلمة قالها ولا مبررًا صنعه.

إن المبادئ ليست شعارات تُكتب، بل أثمان تُدفع.

ثمن الصدق أن تخسر كذبة نافعة.
وثمن الأمانة أن ترد ما ليس لك.
وثمن العدل أن تحكم على نفسك قبل غيرك.
وثمن التقوى أن تترك ما تهواه إذا كان يغضب الله.

أما المبادئ التي لا تكلف صاحبها شيئًا، فهي غالبًا مجرد كلمات جميلة.

ولذلك فإن أخطر الناس ليس من يعلن أنه بلا مبدأ، بل من يرفع راية القيم ثم يهدمها بفعله.

لأن الناس قد تغتر بالكلمات، بينما الله يعلم السرائر.

فلنسأل أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا:

هل نقبل لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا؟
هل نرضى أن يعاملنا الناس بالطريقة التي نعاملهم بها؟
هل نحتكم إلى شرع الله إذا وافقنا فقط، أم في كل حال؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف حقيقة المبادئ.

فالحق لا يتجزأ.
والعدل لا يتجزأ.
والأمانة لا تتجزأ.
والصدق لا يتجزأ.

ومن جعل المبادئ تابعةً للمصلحة، فلن يبقى له مبدأ حين تتعارض المصلحة مع الحق.

وسيبقى قول الله تعالى هو الميزان الذي لا يميل:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.

فإذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان، فلا تنظر إلى كلامه حين يكون الحق في صفه، بل انظر إلى موقفه عندما يكون الحق عليه.

هناك فقط تسقط الأقنعة، ويظهر صاحب المبدأ من صاحب المصلحة، ويُعرف من يخاف الله حقًا، ومن يخاف فقط أن تنكشف صورته أمام الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى