شهدت العاصمة الأرمينية يريفان انعقاد القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوروبية، في حدث وُصف بأنه من أكبر التجمعات السياسية في القارة خلال عام 2026، حيث شارك قادة من نحو 48 دولة أوروبية إلى جانب شركاء دوليين بارزين، في مقدمتهم كندا وتركيا وعدد من المؤسسات الأوروبية والدولية.
وجاءت القمة تحت شعار “بناء المستقبل.. وحدة واستقرار أوروبا”، وسط أجواء دولية شديدة التعقيد تتداخل فيها الأزمات الجيوسياسية في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، إضافة إلى تصاعد المخاوف بشأن أمن الطاقة والهجرة غير النظامية.
حضور القادة الأوروبيين
وشهدت القمة حضورًا واسعًا لعدد من القادة الأوروبيين، من بينهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى جانب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فضلاً عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي ركز على ضرورة استمرار الدعم الأوروبي لكييف في مواجهة الحرب مع روسيا.
كما شارك رئيس وزراء كندا مارك كارني في القمة كأول حضور لزعيم من خارج القارة الأوروبية، حيث شدد على أهمية بناء نظام دولي قائم على القواعد، محذرًا من تراجع الدور التقليدي للولايات المتحدة في قيادة النظام العالمي، وداعيًا أوروبا إلى لعب دور أكثر استقلالية وقوة في المشهد الدولي.
على الصعيد الأمني، تصدّر ملف الحرب في أوكرانيا جدول الأعمال، حيث ناقش القادة سبل تعزيز الدعم العسكري والاقتصادي لكييف، إلى جانب بحث آليات جديدة لفرض مزيد من العقوبات على روسيا، كما تم التأكيد على أهمية توحيد الموقف الأوروبي في مواجهة ما وصف بـ التهديدات الهجينة التي تشمل الهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي.
وفي ملف الشرق الأوسط، برزت التوترات في مضيق هرمز كأحد أبرز النقاط المثيرة للقلق، مع تحذيرات من تأثير أي تصعيد عسكري في المنطقة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد ، كما ناقش القادة الأوروبيون إمكانية تعزيز الوجود البحري لضمان حرية الملاحة وحماية المصالح التجارية الأوروبية.
تعزيز التكامل بين أوروبا والدول الشريكة
أما اقتصاديًا، فقد ركزت القمة على تعزيز التكامل بين أوروبا والدول الشريكة، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية عن مبادرات جديدة لدعم أرمينيا في التحول إلى مركز لوجستي يربط بين أوروبا وآسيا، من خلال تطوير شبكات النقل والطاقة والرقمنة، بهدف تعزيز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
ملفات الطاقة والتضخم وأسعار الوقود
وفي سياق متصل، ناقشت القمة ملفات الطاقة والتضخم وأسعار الوقود، في ظل استمرار تداعيات الأزمة العالمية، مع دعوات لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة.
كما احتل ملف الهجرة والتحديات الاجتماعية جزءًا مهمًا من النقاشات، مع دعوات لتعزيز التعاون الأوروبي في إدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب، إضافة إلى مناقشة سياسات الاندماج داخل الدول الأوروبية.
وفي الجانب الرقمي، ركزت مداخلات عدة على ضرورة وضع إطار أوروبي صارم لتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية الفضاء الرقمي من الاستغلال السياسي والتجاري، مع التأكيد على تعزيز “الحوكمة الرقمية” وضمان حماية المستخدمين، خاصة الشباب.
واختُتمت القمة بالتأكيد على أهمية تعزيز وحدة الموقف الأوروبي في مواجهة التحديات العالمية المتصاعدة، مع الدعوة إلى استمرار الحوار السياسي وتوسيع الشراكات الدولية، في ظل عالم يتجه نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
في ظل تصاعد التوترات حول مضيق هرمز، تواجه أوروبا ضغطًا متزايدًا في أسواق الطاقة، مع اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار وتراجع المخزونات الاستراتيجية من الغاز إلى مستويات مقلقة.
مخزونات الغاز فى الاتحاد الأوروبى
تُظهر بيانات السوق أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي تراجعت إلى ما يقارب 75% فقط من السعة التخزينية، بعد أن كانت تتجاوز 90% في نفس الفترة من العام السابق، وهو انخفاض يثير القلق مع اقتراب فترات الطلب المرتفع.
في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية لتتراوح بين 35 و45 يورو لكل ميجاواط/ساعة، مع تسجيل قفزات مؤقتة أعلى من ذلك خلال فترات التوتر، وهو ما يعكس حساسية السوق لأي اضطراب في الإمدادات العالمية.
على هذا الأساس، تسارعت التحركات الأوروبية لإعادة توزيع مصادر الطاقة. فقد اتجهت إيطاليا بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى أذربيجان لتأمين إمدادات إضافية من الغاز عبر خط الأنابيب العابر للأدرياتيكي، في محاولة لتعويض أي نقص محتمل.
ألمانيا تعزز تعاونها مع النرويج
في المقابل، عززت ألمانيا تعاونها مع النرويج التي أصبحت أكبر مورد مستقر للغاز في أوروبا، بينما رفعت فرنسا وارداتها من الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة لتقليل الاعتماد على المسارات البحرية الحساسة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية بسبب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يهدد أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط والغاز عالميًا.
كما تلقي تداعيات الحرب فى أوكرانيا 2022 بظلالها الثقيلة على أسواق الطاقة الأوروبية، بعدما أجبرت القارة على إعادة بناء استراتيجيتها بالكامل بعيدًا عن الغاز الروسي، ما زاد الضغط على البدائل الحالية.
ورغم جهود التنويع، لا تزال أوروبا تواجه معضلة حقيقية: تراجع المخزون، ارتفاع الأسعار، وزيادة المنافسة العالمية على الغاز، خاصة من الأسواق الآسيوية التي ترفع الطلب بشكل مستمر.
لكن التحركات الأخيرة تؤكد أن أوروبا لم تعد تعتمد على رد الفعل فقط، بل بدأت في إعادة تشكيل خريطة الطاقة الخاصة بها بشكل استباقي، في محاولة لتقليل المخاطر وتأمين احتياجاتها في عالم يتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار.







