
تخيل أن تستيقظ صباحًا فتكتشف أن هناك رقم هاتف مسجلًا باسمك.. رقم لم تشتره، ولم تستخدمه، ولا تعرف حتى صاحبه!
تخيل أن هذا الرقم استُخدم في واقعة مخالفة للقانون، ثم وجدت اسمك يظهر في الأوراق لأن بياناتك مرتبطة به!
هنا لا تعود المسألة مجرد «شريحة مجهولة».. هنا يصبح اسم المواطن نفسه في دائرة الخطر.
وهذا هو السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد:
كيف يمكن أن تُستخدم بيانات مواطن في تسجيل خط لا يعلم عنه شيئًا؟ ومن يضمن ألا تتحول هذه البيانات إلى باب للاحتيال أو انتحال الصفة أو ارتكاب جرائم باستخدام هوية شخص بريء؟
الموضوع أخطر من مجرد رقم هاتف.
في عصر أصبحت فيه الخدمات البنكية والحسابات الإلكترونية والتطبيقات ووسائل الدفع مرتبطة برقم الهاتف، أصبحت الشريحة جزءًا من الهوية الرقمية للمواطن.
ومن ثم فإن حماية بيانات المصريين لم تعد رفاهية، ولا ملفًا إداريًا يمكن التعامل معه ببرود.
إنها قضية أمن وثقة ومسؤولية.
والأخطر أن المواطن قد لا يعرف أصلًا أن هناك رقمًا مسجلًا باسمه إلا بعد أن تقع المشكلة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال من:
«ماذا يفعل المواطن إذا اكتشف خطًا مجهولًا؟»
إلى سؤال أكثر أهمية:
«كيف سمح النظام أصلًا بأن يحدث ذلك؟»
الوقاية هنا أهم من العلاج.
لا يكفي أن نطالب المواطن بمراجعة الأرقام المسجلة باسمه، بل يجب أن تكون هناك منظومة رقابية قادرة على اكتشاف التسجيلات غير المشروعة أو المشكوك فيها بسرعة، والتحقق من هوية صاحب الخط، وإتاحة وسائل سهلة للاعتراض والإلغاء، مع تحديد المسؤولية القانونية عند ثبوت وجود تلاعب أو مخالفة.
وإذا كان المواطن يستطيع أن يثبت أن الرقم ليس له، فمن حقه أيضًا أن يعرف:
كيف سُجل؟ وبأي مستند؟ ومتى؟ ومن قام بإجراءات التسجيل؟
هذه ليست أسئلة ترفيهية.
هذه أسئلة تتعلق بحق المواطن في حماية هويته.
والدولة التي تخوض معركة التحول الرقمي وتدفع نحو التوسع في الخدمات الإلكترونية مطالبة بأن تجعل حماية البيانات الشخصية خطًا أحمر.
فالرقم القومي ليس مجرد مجموعة أرقام.
إنه مفتاح لهوية الإنسان.
واستخدامه دون علم صاحبه قد يضع المواطن في موقف بالغ الخطورة، حتى لو لم يرتكب أي فعل.
لذلك يجب أن تكون الرسالة حاسمة:
لا أحد فوق الرقابة.. ولا بيانات مواطن بلا حماية.. ولا تسجيل لخط دون تحقق حقيقي من صاحبه.
وإذا كشفت أزمة الشرائح المجهولة عن وجود ثغرات أو ممارسات مخالفة، فالمطلوب ليس البحث عن حلول مؤقتة، وإنما مراجعة شاملة للمنظومة وسد كل منفذ يمكن أن يسمح بالعبث ببيانات المصريين.
المواطن لا يريد معجزات..
يريد فقط أن يطمئن إلى أن اسمه لن يتحول إلى بطاقة هوية لشخص آخر، وأن رقمه القومي لن يصبح أداة في يد مجهول، وأنه إذا اكتشف مخالفة فلن يقضي عمره يثبت أنه بريء من شيء لم يفعله.
ففي زمن أصبحت فيه الهوية رقمًا.. حماية الرقم أصبحت حماية للإنسان نفسه.
ولهذا يجب أن يبقى السؤال مدويًا على الصفحة الأولى:
اسمك ممكن يبقى متهم.. وأنت آخر من يعلم!
فمن يحمي بيانات المصريين؟ ومن يضمن ألا تتحول الهوية الرقمية إلى فخ يقع فيه المواطن قبل أن يعرف أنه كان مستهدفًا؟
الإجابة لا تحتمل التأجيل..
بيانات المصريين أمانة، وحمايتها مسؤولية، وأي ثغرة فيها تستحق أن تُغلق قبل أن يدفع المواطن ثمنها.







