
كنا نظن أن أجمل ما في الطفولة هو اللعب والضحك، ولم نكن نعرف أن أجمل ما فيها كان صوتًا يأتي كل صباح من خلف باب الغرفة، ليوقظنا للحياة قبل أن يوقظنا للمدرسة.
كانت أمي تقول: «اصحى يا ابني هتتأخر»، ونحن نختبئ تحت الغطاء ونفاوضها على دقائق أخرى من النوم، ثم نقوم متثاقلين، ونرتدي ملابسنا، ونحمل حقائبنا، ونخرج من البيت دون أن ندرك أننا نترك خلفنا كل صباح قطعة من أجمل عمرنا.
كانت تفاصيل صغيرة لا تلفت انتباهنا؛ يد ترتب الملابس، وطبق ينتظرنا، وسؤال سريع: «هل أكلت؟»، ونظرة طويلة عند الباب، ودعوة تخرج معنا إلى الشارع وكأنها شيء عابر.
لكن الحقيقة أن هذه التفاصيل كانت تصنع لنا وطنًا صغيرًا اسمه «أمي».
كبرنا وانشغلنا، وأصبح للصباح مواعيد، وللحياة حسابات، وأصبحنا نسمع صوتها أحيانًا ونحن نرد بعجلة: «بعدين يا أمي».
ثم مر الوقت أسرع مما توقعنا، وجاء يوم اكتشفنا فيه أن البيت يمكن أن يبقى كما هو، لكن شيئًا عظيمًا داخله قد رحل.
عندها تغير معنى الأشياء. أصبح الكرسي الذي كانت تجلس عليه يحمل وجعًا لا يراه أحد، وأصبح صوت المفتاح في الباب يذكرنا بصوتها، وأصبحت رائحة البيت القديمة قادرة على فتح أبواب في القلب أغلقناها منذ سنوات.
وصارت الصور أكثر من صور، لأنها أصبحت المكان الوحيد الذي نستطيع أن نرى فيه وجهًا نعرف أنه لن يعود.
ننـظر إلى صورة قديمة فنبتسم للحظة، ثم تنزل الدموع دون استئذان. ليس لأن الصورة حزينة، ولكن لأنها تذكرنا بوقت كنا فيه سعداء ولم نكن نعرف أننا سعداء.
وهنا يكون الندم أقسى من الفقد نفسه؛ أن تكتشف بعد رحيلها أنك كنت تعيش أجمل أيامك وأنت تتمنى أن تمر بسرعة.
كنت تتمنى أن ينتهي الصباح لتذهب إلى عملك أو مدرستك، وكنت تتمنى أن تنام بعيدًا عن صوتها، وكنت تعتبر سؤالها المتكرر: «هل أكلت؟» تدخلًا في حياتك، ولم تفهم أن خلف السؤال قلبًا لا يعرف كيف يطمئن عليك إلا بهذه الطريقة.
اليوم، لو عاد ذلك الصباح، لن نطلب دقائق إضافية من النوم. سنفتح أعيننا قبل أن تنادينا، سننتظر صوتها، سننظر إلى وجهها طويلًا، سنمسك يدها وكأننا نخشى أن يفلت منها العمر، وسنقول لها كل الكلمات التي أجلناها؛ لأننا كنا نظن أن الوقت طويل.
لكن الوقت لم يكن طويلًا، كان فقط كريمًا معنا أكثر مما نستحق.
لهذا، حين نتذكر طفولتنا، لا نبكي على المدرسة ولا على الحقيبة ولا على تلك الأيام القديمة وحدها. نبكي على امرأة كانت تمنحنا الحب كل يوم في صورة بسيطة، فلم نفهم قيمته إلا عندما أصبح الوصول إليه مستحيلًا.
نبكي لأننا كنا نملك أجمل الذكريات وهي تصنع أمام أعيننا، ولم نعرف أنها كانت ذكريات إلا بعد أن انتهت.
وربما لهذا السبب تبقى الأم حاضرة حتى بعد الغياب؛ في دعوة نسمعها داخلنا، وفي رائحة ثوب قديم، وفي مكان كانت تجلس فيه، وفي صباح يشبه صباحات الطفولة، وفي دمعة تنزل فجأة دون سبب واضح.
فليس أصعب من أن تشتاق إلى شخص تعرف أن اشتياقك إليه لن ينتهي، بل الأصعب أن تتمنى العودة إلى زمن كامل، فقط لأن فيه صوتًا واحدًا كان يجعل كل شيء جميلًا.
كنا نعيش أجمل أيامنا ولم نشعر، ثم رحلت الأيام، ورحلت معها صاحبة الأيام، وبقي لنا أن نحملها في قلوبنا، لا كذكرى بعيدة، بل كأجمل جزء من عمرنا لم نعرف قيمته إلا بعد أن فقدناه.







