
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها …….
فى زمنِ التكبيرات والرقاق والقلوب الطيبةهكذا كان عيدُ الأضحى…
حين كانت الحارةُ عائلةً واحدة..أطفالٌ يجرون خلف الخروف… وأمهاتٌ يخبزن الحبَّ مع الرقاق……
فى زمنٍ مضى… حين كانت الحاراتُ المصريةُ تنام على الألفة وتستيقظ على المحبة، لم يكن عيد الأضحى مجرد مناسبة دينية تمرّ كل عام، بل كان موسمًا إنسانيًا عظيمًا تتجلّى فيه معانى الرحمة والتكافل وفرحة المشاركة. كانت البيوت بسيطة، لكن دفءَ العلاقات فيها كان يُغنى عن كل مظاهر الرفاهية، وكانت الحارة بكل ما فيها من بشرٍ وضجيجٍ وروائحَ وحكايات تبدو كأنها عائلةٌ واحدة تسكن عدة بيوت قبل العيد بأيام تبدأ الملامح الأولى للفرحة، الأطفال يملؤون الأزقة لعبًا وضحكًا، والنساء يتبادلن الحديث عن تجهيز الرقاق والفتّة، بينما الرجال يستعدون للنزول إلى سوق المواشى حيث تبدأ أولى طقوس العيد الكبرى وكان “الحاج عبدالعظيم” واحدًا من رجال الحارة الذين ارتبطت بهم ذاكرة العيد، رجلٌ بسيط يعمل طوال العام فى صمت، لكن العيد كان يعيد إليه طفولته القديمة فى مساءٍ دافئ من ليالى ذى الحجة أمسك بيد ابنه “سيد” ونادى على أخيه الصغير “محمود” قائلاً بابتسامةٍ واسعة يلا يا ولاد… نروح نختار خروف العيد خرج الطفلان خلف أبيهما وكأنهما ذاهبان إلى احتفالٍ كبير، وفى سوق المواشى كانت الحياة تنبض بصورةٍ مختلفة؛ أصوات الباعة تختلط بالتكبيرات، ورائحة القشّ والبرسيم تملأ المكان، والوجوه البسيطة تحمل بهجةً لا تُشترى بالمال ظل الحاج عبدالعظيم يتأمل الخراف بعين الخبير حتى اختار خروفًا أبيض جميلًا هادئ النظرات صغير القرنين، فربّت ابنه “سيد” على رأسه قائلاً بفرح “ده حيعيش معانا يا حاج” ضحك الأب وقال بحنان “أيوه… بس بلاش تتعلّق بيه أوى ” لكن الأطفال دائمًا يُحبّون بقلوبٍ كاملة خرج الخروف من السوق فى زفّةٍ صغيرة يتقدمه الأطفال بالضحكات والزغاريد وكأن الحارة استقبلت ضيفًا عزيزًا ومنذ اللحظة الأولى تحوّل الخروف إلى فردٍ جديد فى العائلة، الأطفال يطعمونه البرسيم ويجرون أمامه فيجرى خلفهم فتتعالى الضحكات فى الشارع الضيق بينما الجيران يتابعون المشهد بمحبةٍ صادقة حتى “عم رمضان” البقال ترك متجره قليلًا وجلس يضحك قائلاً “الخروف ده شكله حيخلّى الحارة كلها تصحى بدرى” وفى البيوت كانت الأمهات يبدأن استعداداتهن الخاصة، الرقاق يُفرد بعناية، والسمن البلدى يفوح بعطره الدافئ، ورائحة تجهيز الفتّة تملأ البيوت إحساسًا بالطمأنينة والبهجة
ثم يأتى صباح العيد… “الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر…” تكبيرات العيد كانت توقظ الأرواح قبل الأجساد، الرجال يرتدون ملابسهم النظيفة، والأطفال فى ثيابهم الجديدة يملؤون الشوارع فرحًا، والحارة بأكملها تتحرك نحو ساحة الصلاة وكأنها قلبٌ واحد يمشى فوق الأرض وبعد الصلاة مباشرة تبدأ الفرحة الثانية، الجزار وصل يتجمع الرجال حول الأضحية ويقف الأطفال فى رهبةٍ ممزوجة بالفضول بينما النساء يوزعن الشاى والدعوات ولم تكن الأضحية يومًا مجرد ذبحٍ ولحم، بل كانت رسالةً عظيمة فى معنى العطاء والشكر والرحمة تبدأ الأكياس البيضاء فى الامتلاء ثم ينطلق الشباب والأطفال لتوزيع نصيب الفقراء والجيران والأقارب “دى للحاجة أم إبراهيم… “ومتنسوش بيت عم صابر…” “وخدوا الكيس ده للأرملة آخر الحارة…” وكانت أجمل لحظات العيد حين يفتح أحدهم الباب ويتسلّم كيس اللحم بوجهٍ ممتن ثم يقول من قلبه “ربنا يبارك لكم… ويجعله عيد خير عليكم.” فى تلك اللحظات لم يكن أحد يشعر بالفارق بين غنى وفقير، الجميع كان يشارك، والجميع كان يمنح، والجميع كان يشعر أنه جزء من فرحةٍ واحدة لم يكونوا أغنياء بالمال، لكنهم كانوا أغنياء بالحب والتكافل والجيرة الطيبة وفرحة المشاركة التى كانت تسير وحدها فى شوارع الحارة دون تكلفٍ أو رياء كانت الأبواب مفتوحة، والقلوب أكثر انفتاحًا، وكان الجار يعرف أحزان جاره قبل أفراحه ويشعر أن فرحة العيد لا تكتمل إلا إذا وصلت إلى الجميع. لكن… يبقى السؤال الذى يؤلم القلب قبل العقل هل يمكن أن تعود تلك الأيام؟ هل يمكن أن تعود الحارة التى كان أهلها يعرفون بعضهم بالمحبة لا بأرقام الشقق؟ هل يمكن أن يعود الطفل الذى كان يفرح بخروف العيد أكثر من فرحته بالهواتف والألعاب الحديثة؟ هل يمكن أن تعود تلك الروح التى كانت تجعل الجار يسأل عن جاره دون مناسبة ويجعل الفرحة حقًا مشتركًا بين الجميع؟ ربما تغيّر الزمن، وتبدّلت الوجوه، وسرقت سرعة الحياة كثيرًا من التفاصيل الجميلة، لكن تبقى تلك الذكريات شاهدةً على زمنٍ كانت فيه الإنسانية أكثر حضورًا وكانت الرحمة أقرب إلى القلوب لقد كان أجمل ما فى العيد قديمًا ليس اللحم ولا الملابس الجديدة، بل الإنسان نفسه، ذلك الإنسان البسيط الذى كان يعرف معنى المشاركة ويؤمن أن الخير حين يُقسم بين الناس يتضاعف. وربما لن تعود الأيام كما كانت تمامًا، لكن يكفى أن نُعيد أخلاقها ونُحيى معانيها فى بيوتنا وأبنائنا حتى يبقى العيد حيًا فى القلوب كما عرفناه قديمًا ..رحم الله تلك الأيام، ورحم وجوهًا رحلت لكنها تركت فى الذاكرة نورًا لا ينطفئ وكل عامٍ وأنتم بخير، وعيد أضحى مبارك عليكم وعلى أحبابكم، رزقكم الله بيوتًا عامرة بالمحبة، وقلوبًا لا تنسى معنى الرحمة والتكافل والرضا.
تحياتى ومن عندياتى،،،،
*قرمشة:
-كانوا فقراءَ فى المال… لكنهم كانوا أثرياءَ بما يكفى ليُطعموا القلوب قبل الموائد.
فى الحارة القديمة… كان الجارُ إذا ضحك -شعرتَ أن بيتك هو الذى امتلأ فرحًا.
أجملُ أعيادِ العمر… تلك التى لم تكن تملكُ الكثير، لكنها كانت تملكُ الناس.
-كان الخروفُ يُربّى أيامًا فى البيوت… لكن الذى كان يكبر حقًا هو الحبُّ بين الناس.
– رحلتِ الحارةُ القديمة، لكن تكبيراتِ العيد مازالت كلما مرّت… تُوقظ طفلًا قديمًا يسكنُ داخلنا.
إلى اللقاء،،،







