
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها…
سوبر ماركت على عجلات..
رحلتي السعيدة في
“أوتوبيس النقل العام”
شاهدتُ مؤخراً، مرغماً لا بطلاً، فصلاً من فصول المعاناة اليومية مع تكدس السيارات وضيق الشوارع. وبما أنني كنتُ متوجهاً لقضاء مصلحة في منطقة معروفة بزحامها الشديد وطاحونتها المرورية التي لا ترحم، حيث يُستحيل فيها ركن السيارات تماماً وتتحول فيها القيادة إلى مغامرة غير مأمونة العواقب، قررتُ منذ البداية ألا أستعمل وسيلتي الخاصة حقناً للأعصاب؛ فتركتُ عربتي البسيطة جانباً في أمان الله، وقررتُ أن أركب أوتوبيس النقل العام، وهي الوسيلة التي من المفترض أن الدولة وفّرتها لخدمة المواطنين وتسهيل حركتهم في مثل هذه الظروف، وبما يضمن للركاب رحلة محترمة وآمنة.. ولكن يبدو أن للأوتوبيس رأياً آخر!
وما إن وضعتُ قدمي على أول درجة، حتى خُيل إليّ أنني لستُ مجرد راكب عابر، بل زعيمٌ ومصلحٌ اجتماعي ينتظره الجماهير! فقد فُوجئت بحفاوة استقبال منقطعة النظير؛ حيث تعالت صيحات الترحاب وارتجت جنبات الأوتوبيس بالتصفيق الحاد من الجميع—سائقاً وكمسارياً وركاباً—وكأنهم كانوا على علمٍ مسبق بقدومي، أو كأن لسان حالهم يقول: “يا مرحب بالركب الجديد!”. ولم أكن أعلم حينها أن هذا الاحتفاء الأسطوري من طاقم الأوتوبيس والركاب ليس حباً في شخصي الكريم، وإنما هو احتفالٌ بقدوم الضحية الجديدة، وزفة استقبال لـ “الزبون المنتظر” الذي سيفتتح موسم التسوق السنوي على شرفي!
كنت قبل ركوبي قد سمعت أساطير تُروى عن تلك الأوتوبيسات؛ قيل لي إنها لم تعد مجرد وسيلة مواصلات, بل أصبحت “مولات تجارية طائرة”، يتوفر فيها كل ما يخطر على بال بشر بأسعار تضرب السوق في مقتل، لدرجة تجعلك بغنى عن دخول أي مركز تجاري فاخر. لكن، كما تعلمون، السماع شيء.. والوقوع في الفخ شيء آخر تماماً! فبمجرد أن تحرك الأوتوبيس واستقريتُ في مكاني، بدأت المفاجآت تظهر للعلن، واكتشفتُ الهوية الحقيقية لركاب هذه الرحلة العجيبة!
تكافل اجتماعي على طريقة “البيع بالجملة”
فجأة، وبلا مقدمات، انشق صف الركاب وظهر بائعو البضائع من كل حدب وصوب، وشعرت بجو من “التكافل الاجتماعي” غير المسبوق. تعلو فجأة عروض التخفيض الكبرى على شراء الكميات؛ والجميل في الأمر أن الركاب – الذين لم يروا بعضهم في حياتهم – يتحولون في ثوانٍ معدودة إلى “مجلس إدارة مصغر” يتفقون فيه على تقاسم الشحنات للاستفادة من الخصم! مشهد يملأ القلب بالدفء.. قبل أن يملأ الجيب بالهواء.
أما الفقرة الأكثر إثارة، فهي طريقة عرض البضائع التي تحاكي برامج المواهب العالمية. هؤلاء الباعة يمتلكون موهبة خارقة في قذف معروضاتهم بقوة وسرعة البرق لتستقر في أحضان جميع الركاب دفعة واحدة، ثم إعادة جمعها بلمح البصر! والغريب أن الكمساري والسائق يلعبان دور “لجنة التحكيم”، حيث يراقب الكمساري بدقة توقيت “أسرع عارض يلم بضاعته”، وسط تصفيق حار من طاقم الأوتوبيس الذي يعشق هذه الفقرة اليومية، واعدين البائع الأسرع بحق الركوب معهم مجدداً غداً. ولأنها لعبة حظ من الطراز الأول: لو انتهى الوقت وهرب البائع من الأوتوبيس فالبضاعة حلال عليك، ولو اختطف الفلوس وقفز.. فالحلال عليه!
خدمات فندقية خلف السائق مباشرة!
ولم تقف الرفاهية عند هذا الحد، فالهيئة الموقرة يبدو أنها قررت تدليل الركاب؛ حيث تم تخصيس “غرفة لتغيير الملابس” خلف السائق مباشرة، ليقوم الركاب بقياس التيشرتات والبنطلونات قبل النزول! ليس هذا فحسب، بل تجد بجوار السائق مباشرة “نصبة شاي” متكاملة الأركان، يحيط بها بائعو المشروبات الغازية والمثلجات لترطيب الأجواء المشحونة. حقيقة، كانت رحلة “تسوق” مذهلة، اشتريت خلالها كل احتياجاتي من الرفائع والمفكات، ومواد اللحام، وصولاً إلى الحلويات، البسكويت، الشوكولاتة، وحتى تيشرت أنيق.
يا مسترخص.. يا متنغص!
لكن، كما يقول المثل الشعبي العظيم
“يا مسترخص.. يا متنغص”.
بمجرد عودتي إلى المنزل، وفك الشفرات والعبوات، اكتشفت الكارثة؛ كل ما اشتريته بلا استثناء كان خارج نطاق الخدمة تماماً! الحلويات لا تصلح للاستهلاك الآدمي، والمفكات انثنت من أول تجربة، والتيشرت انكمش ليصبح صالحاً لعروسة أطفال. وطبعاً، تلقيتُ وجبة دسمة من الكلام الشديد وتوبيخاً لاذعاً من “الحكومة” (المدام) على هذا الذكاء التجاري الحاد.
وكنت أود بحق أن أشرح لها خلفيات المشهد الكوميدي الأسود؛ فأنا لم أشترِ بمزاجي مطلقاً! البيع داخل الأوتوبيس يتم بأسلوب “الإحراج الإجباري”. الباعة يملكون قدرة فائقة على الضغط العصبي والنفسي في البيع، والركاب المحيطون بي كانوا يهمسون في أذني بدافع الشفقة وحب السلامة: “يا أستاذ اشترِ وخلي يومك يعدي من غير شد وجذب وجدال ملوش لزوم وسط الزحمة!”.. وهكذا تحول الشراء إلى ضريبة مفروضة ليمر المشوار بسلام ودون وجع دماغ، في وسيلة كنا نظن أنها خُصصت لراحة المواطن واحترامه.
تحية تقدير.. “خاصة جداً”!
في النهاية، لا يسعنا إلا أن نتوجه بـ “تحية تقدير خاصة جداً” إلى السيد رئيس هيئة النقل العام، وإلى جميع القائمين عليها، مع أرق تمنياتنا لطاقم الأوتوبيس الهمام من السائق والكمساري. نشكرهم جزيلاً على هذا التنسيق العالي وسعة صدرهم في تحويل عربات الهيئة إلى أسواق حرة مفتوحة، وإتاحة الفرصة للمواطن المطحون ليعيش تجربة “التسوق الإجباري” المليئة بالإثارة والضغط العصبي طوال الرحلة بدلاً من تقديم الخدمة الأساسية التي وُجدت من أجلها.. شكراً لكم على هذه الخدمة الترفيهية الإضافية التي تقدمونها للجمهور مجاناً وفوق البيعة!
كلمة ختامية.. من الناس للناس
وبعد كل هذا، نعود لنتساءل بفضول شديد ونقول: “هي الناس زعلانة ليه؟ والشكوى زادت ليه؟”.. والحقيقة المُرّة أننا نحن الناس الذين نُحزن بعضنا بعضاً، حين نترك الناس للناس بلا رقيب ولا حسيب. فهل يا تُرى السيد المسؤول متواجدٌ ومتابعٌ لما يحدث في خط شبرا؟ أم أنه يراقب خط العتبة؟ أم لعله يبحث عن انضباط خط المطرية؟ أين هو مما يحدث في هذه الخطوط الحيوية؟!
ما رأيته وعشته ليس إلا جزءاً بسيطاً مما يسمى “خدمات الناس للناس” في غياب الرقابة، ولكنه في الأصل يجسد مأساة حقيقية عنوانها الأبرز: غياب الضمير.
تحياتى ومن عندياتى،،،،
*قرمشة:
. الأوتوبيس العام بتركبه عشان تروح مشوارك، بتنزل منه ومعاك توكيل مفكات وبسكويت….
. في الأوتوبيس الشراء مش بالطلب.. الشراء فداء للكرامة ومنعاً للتوبيخ…
. بنشتكي من زعل الناس.. وإحنا اللي بنزعل الناس ونسيب الناس للناس..
• بين خط شبرا والعتبة والمطرية.. تاه المسؤول وحضر غياب الضمير..
إلى اللقاء،،،،







