حسين محمود يكتب: ضربات في القلب.. تجفيف منابع الإجرام يبدأ من مصادرة المليارات وإنهاء إمبراطوريات المال الحرام
لم تعد الحرب على الجريمة في مصر تُقاس بعدد المتهمين الذين يسقطون في قبضة الأمن، بل أصبحت تُقاس بقدرة الدولة على اقتلاع جذور الجريمة من منابعها المالية. فالعصابات لا تعيش على المخدرات وحدها، ولا على تجارة السلاح فقط، وإنما تعيش على الأموال القذرة التي تتحول إلى قصور وعقارات وشركات وسيارات فارهة، ثم تعود مرة أخرى لتمويل المزيد من الجرائم وإغراق المجتمع بالسموم.
ولهذا، فإن الضربات التي وجهتها وزارة الداخلية لشبكات غسل الأموال، والتي بلغت قيمة المضبوطات فيها نحو ثلث مليار جنيه، ليست مجرد نجاح أمني عابر، بل تمثل ضربة قاصمة لشبكات الجريمة المنظمة التي اعتقدت أن بإمكانها شراء الشرعية بأموال خرجت من تجارة الموت.
لقد تغيرت قواعد المواجهة بالكامل. فلم يعد رجل الأمن ينتظر المجرم عند الكمين فقط، بل يلاحقه داخل حساباته البنكية، ويكشف شركاته الوهمية، ويتتبع استثماراته المشبوهة، ويصل إلى كل عقار أو سيارة أو أصل مالي تم شراؤه بعائدات المخدرات أو الأسلحة. إنها معركة تعتمد على المعلومات الدقيقة والتحريات العميقة، هدفها ألا ينجو جنيه واحد من المال الحرام.
إن أخطر ما في جرائم غسل الأموال أنها تمنح المجرمين فرصة الاندماج داخل المجتمع الاقتصادي، فيتحول تاجر السموم إلى رجل أعمال، ويتحول مهرب السلاح إلى مستثمر، بينما تكون الثروة في حقيقتها مبنية على دماء الضحايا ومستقبل شباب دمرته المخدرات. ولذلك فإن تجفيف منابع هذه الأموال يمثل دفاعًا عن الاقتصاد الوطني، قبل أن يكون مجرد إجراء أمني.
والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن كل جنيه يتم مصادرته من عصابات المخدرات والسلاح يعني رصاصة أقل في يد مجرم، وشحنة سموم أقل في الأسواق، ومحاولة جديدة لإنقاذ شاب من الإدمان وأسرة من الانهيار. فالمال هو الوقود الحقيقي للجريمة، وإذا توقف الوقود توقفت الآلة الإجرامية مهما بلغ نفوذ أصحابها.
إن الدولة المصرية تخوض معركة شرسة ضد شبكات لا تعرف الرحمة، هدفها الوحيد تحقيق الأرباح بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو تدمير أجيال كاملة. ولهذا فإن استمرار ملاحقة ثروات الخارجين على القانون لا يقل أهمية عن ضبطهم، لأن السجن وحده لا يكفي إذا بقيت الأموال التي جُمعت من الجريمة في أيدي أصحابها أو من يعاونهم.
كما أن هذه الضربات تؤكد أن أجهزة وزارة الداخلية لم تعد تواجه الجريمة برد الفعل، بل وفق استراتيجية استباقية تستهدف البنية المالية للعصابات، وتمنعها من إعادة بناء نفسها مرة أخرى. فكل شركة وهمية يتم كشفها، وكل عقار يُثبت أنه نتاج مال حرام، وكل سيارة فارهة يتم التحفظ عليها، يمثل خطوة جديدة نحو تفكيك إمبراطوريات الإجرام.
ولا يمكن الحديث عن مكافحة المخدرات أو السلاح دون الحديث عن غسل الأموال، فهذه الجرائم وجهان لعملة واحدة. تجارة السموم لا تستمر إلا بأموال تُغسل، وتجارة السلاح لا تزدهر إلا إذا وجدت قنوات لإخفاء أرباحها. ومن هنا تأتي أهمية الضربات المتلاحقة التي تستهدف منابع التمويل، لأنها تقطع الشريان الذي يغذي الجريمة.
إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يفكر في الاتجار بالمخدرات أو الأسلحة أو غسل عائداتها واضحة وحاسمة: لن تحميك شركات صورية، ولن تنقذك عقارات فاخرة، ولن تمنحك السيارات الفارهة حصانة أمام القانون. فما بُني على المال الحرام لن يدوم، وكل ثروة خرجت من تجارة السموم أو السلاح ستظل هدفًا للملاحقة القانونية حتى تعود إلى الدولة ويُحاسب أصحابها.
فالدول القوية لا تنتصر على الجريمة بالقبض على المجرمين فقط، بل بمصادرة ثرواتهم، وتجفيف منابع تمويلهم، وتحويل إمبراطوريات المال الأسود إلى قضايا أمام العدالة. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تحمي المجتمع، وتصون الاقتصاد، وتؤكد أن سيادة القانون أقوى من أي عصابة، وأن مصر لن تسمح بأن تتحول الأموال الحرام إلى نفوذ أو استثمار أو غطاء يختبئ خلفه الخارجون على القانون.







