عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: حين تتحول المدارس إلى مناطق خطر

ما جرى داخل مدرسة «هابي لاند» ببشتيل لا يمكن وصفه بأنه واقعة فردية عابرة، ولا يجوز اختزاله في سلوك منحرف لشخص واحد. نحن أمام جريمة مكتملة الأركان، وفضيحة مؤسسية تكشف عطبًا خطيرًا في منظومة يُفترض أنها تحمي الأطفال لا أن تتركهم فريسة داخل جدرانها.

المدرسة التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن براءة الأطفال، سقطت سقوطًا مدويًا، ليس فقط لأن جريمة تحرش وقعت داخلها، بل لأنها – وفق ما يتردد – وقعت في مساحة إدارية مغلقة، بما يعني غيابًا شبه كامل لأي رقابة حقيقية. هذا ليس إهمالًا عاديًا، بل تقصير جسيم يرقى إلى مستوى التواطؤ بالصمت أو العجز.

الأكثر خطورة أن الأزمة لم تُكشف من داخل المؤسسة نفسها، بل انفجرت بفعل فيديو متداول وغضب أولياء الأمور. أي أننا أمام إدارة لم تبادر، ولم تواجه، ولم تحمِ، بل تركت الحقيقة تُسحب منها تحت ضغط الشارع. وهنا تتحول المشكلة من جريمة فرد إلى فشل منظومة كاملة.

أما محاولة الهروب – إن صحت – فهي ليست مجرد تصرف شخصي، بل دليل إضافي على غياب السيطرة والانضباط داخل المؤسسة. وحين يصل الأمر إلى تجمهر أولياء الأمور داخل المدرسة، فذلك إعلان صريح بسقوط الثقة، وهو أخطر من الواقعة نفسها.

قرارات وزارة التربية والتعليم، رغم شدتها، يجب ألا تُفهم باعتبارها نهاية الأزمة، بل بدايتها. لأن وضع المدرسة تحت الإشراف واستبعاد إدارتها لا يعالج الجذر الحقيقي للمشكلة: كيف تم اختيار العاملين؟ أين الكاميرات؟ أين آليات الشكاوى؟ أين التفتيش الدوري؟ وأين كانت كل هذه الجهات قبل أن تقع الكارثة؟

الحقيقة المؤلمة أن بعض المدارس الخاصة تحولت من مؤسسات تعليمية إلى كيانات تجارية، تُدار بعقلية الربح لا المسؤولية، حيث يتم التغاضي عن معايير السلامة والانضباط مقابل الاستمرار في العمل. وهذه البيئة هي التربة الخصبة لمثل هذه الجرائم.

لا يجب أن تمر هذه الواقعة كغيرها، ولا أن تُغلق ببيانات رسمية أو قرارات مؤقتة. المطلوب محاسبة جنائية صارمة لكل من تورط، ومحاسبة إدارية لكل من قصّر أو صمت أو تستر. فالجريمة هنا ليست فقط في الفعل، بل في السماح بحدوثه.

الرسالة التي يجب أن تُكتب بوضوح:

أي مدرسة لا تضمن الأمان الكامل لطفل، لا تستحق أن تفتح أبوابها يومًا واحدًا.

وإذا لم تتحول هذه الواقعة إلى نقطة فاصلة تعيد هيكلة الرقابة على المدارس، فنحن لا ننتظر أزمة جديدة بل نؤجلها فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى