هناك قلوب ترتدي الأبيض يوم العيد.. لكنها من الداخل ترتدي السواد
ليس كل الناس يفرحون بالعيد كما نظن.
فخلف أصوات التكبيرات، والزحام، وملابس الأطفال الجديدة، توجد قلوب منهكة، وبيوت أرهقها الفقد، وأرواح تحاول أن تبدو بخير بينما هي غارقة في الحزن حتى آخرها.
هناك من يستيقظ صباح العيد على صوت الصمت.
لا صوت أب يوقظ أبناءه للصلاة، ولا أم تتحرك داخل البيت كعادتها، تُعد الطعام، وتُرتب الملابس، وتزرع الحياة في كل زاوية.
هناك بيوت يدخلها العيد بلا روح، لأن أرواحها الحقيقية رحلت.
أقسى أنواع الغياب ليس غياب الأشخاص عن المكان، بل غيابهم عن العمر كله.
أن تدرك فجأة أن العيد الذي كان يبدأ بابتسامة أمك، انتهى إلى صورة معلقة على الحائط، أو دعاء تهمس به باكيًا أمام قبرها.
أن تنتظر صوت أبيك الذي كان يملأ البيت قوة وطمأنينة، ثم تتذكر أن الموت سبق كل الأمنيات.
في كل بيت فقد أبًا أو أمًا، يوجد ركن لا يقترب منه أحد، لأنه يحمل الذكرى كاملة.
كرسي فارغ على مائدة الطعام.
ملابس ما زالت معلقة كما تركها صاحبها.
رائحة عطر قديم ما زالت تسكن المكان رغم الغياب.
تفاصيل صغيرة لكنها تقتل القلب ألف مرة في أيام العيد.
العيد بعد رحيل الأب ليس عيدًا.
فالظهر الذي كنت تستند إليه اختفى فجأة، والصوت الذي كان يطمئنك على الدنيا كلها أصبح مجرد ذكرى تؤلمك كل ليلة.
الأب حين يرحل لا يأخذ نفسه فقط، بل يأخذ معه شعور الأمان كله.
أما غياب الأم، فهو الكارثة التي لا يصفها كلام.
لأن الأم ليست شخصًا داخل البيت، الأم هي البيت نفسه.
هي الرحمة، والدعاء، والحنان، والتفاصيل الصغيرة التي تجعل للحياة طعمًا.
وحين ترحل، يصبح كل شيء ناقصًا مهما بدا مكتملًا أمام الناس.
كم من شاب جلس صباح العيد يبكي بصمت لأنه لم يجد يد أمه فوق رأسه؟
وكم من فتاة تظاهرت بالفرح أمام إخوتها بينما قلبها يصرخ شوقًا لأبيها؟
وكم من طفل فقد معنى العيد مبكرًا لأن الموت خطف منه من كانوا يصنعون الفرح؟
المؤلم أن الناس ترى الملابس الجديدة ولا ترى القلوب المكسورة.
ترى الزحام ولا ترى الوحدة.
ترى الضحكات العابرة ولا تعرف أن بعض الضحكات مجرد محاولة للهروب من الانهيار.
وفي الليل، بعد انتهاء الزيارات والتهاني، يعود الحزن أقوى.
يجلس البعض وحدهم يتصفحون صور الراحلين، يستمعون إلى تسجيلات صوتية قديمة، أو يبكون لأنهم لم يستطيعوا حتى سماع كلمة “كل سنة وأنت بخير” من الشخص الذي كانوا ينتظرونه كل عيد.
هناك جراح لا يشفيها الوقت كما يقال، بل يجعل الإنسان يتعايش معها فقط.
ففقد الأب والأم لا يُنسى، لأنهما ليسا أشخاصًا عاديين يمكن تعويضهم، بل هما الحياة حين كانت بسيطة وآمنة ومليئة بالحب.
وفي هذا العيد، تذكروا الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم.
لا تجرحوا أحدًا بسؤال عن الفرح، فبعض الناس تحارب فقط كي لا تنهار أمام الآخرين.
كونوا رحماء بالكلمات، فهناك قلوب تتألم بصمت أشد من أي صراخ.
رحم الله كل أب رحل وترك أبناءه يواجهون الدنيا وحدهم، ورحم الله كل أم غابت فغاب بعدها دفء الحياة، وجعل الله الجنة دارًا لكل قلبٍ أتعبه الفقد وأرهقه الحنين.



