لم تعد ظاهرة “المستريح” مجرد جريمة نصب تقليدية، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تستنزف مدخرات المواطنين وتهدد الاستقرار المالي لآلاف الأسر. فالمتهمون لم يعودوا يعتمدون على الخداع المباشر فقط، بل أصبحوا يستغلون أنشطة تجارية قائمة، ومحال معروفة، وشركات تبدو قانونية، لبناء ثقة زائفة تدفع المواطنين إلى تسليم مدخرات العمر طواعية.
وتكشف الوقائع الأخيرة حجم الكارثة. ففي منطقة الأميرية، اتُهم صاحب محلات لبيع قطع غيار السيارات بالاستيلاء على نحو 150 مليون جنيه بزعم توظيفها مقابل أرباح شهرية مرتفعة. وفي واقعة أخرى، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على ما عُرف إعلاميًا بـ”مستريح المعصرة”، والذي تشير التحقيقات إلى اتهامه بالاستيلاء على نحو نصف مليار جنيه من عشرات المواطنين بعد إيهامهم بمشروعات واستثمارات تحقق أرباحًا استثنائية.
ولم تتوقف الجرائم عند الاستيلاء على الأموال، بل امتدت إلى محاولة إخفاء حصيلة تلك الجرائم، بعدما تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط متهم بغسل 100 مليون جنيه من متحصلات النصب في مجال المستلزمات الطبية، عبر شراء عقارات وسيارات وإقامة أنشطة ظاهرها مشروع لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال.
وعند جمع هذه الوقائع، نجد أن ما يقرب من 750 مليون جنيه جرى تداولها في ثلاث قضايا فقط، وهو رقم يطرح تساؤلات خطيرة حول حجم الأموال التي قد تكون وقعت ضحية لعمليات مشابهة لم يتم الإبلاغ عنها بعد، أو لا تزال قيد التحقيق.
إن الأخطر في هذه الجرائم أنها لا تسرق الأموال فقط، بل تدمر حياة أسر كاملة. فبين الضحايا أصحاب معاشات، وموظفون، وعمال، ومواطنون باعوا ممتلكاتهم أو استثمروا مدخرات سنوات طويلة أملاً في تحسين مستوى معيشتهم، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام خسائر فادحة يصعب تعويضها.
كما أن هذه الجرائم تمثل اعتداءً مباشرًا على الاقتصاد الوطني، إذ تؤدي إلى سحب مئات الملايين من الجنيهات من القنوات الاستثمارية المشروعة، وتغذي أنشطة مالية غير قانونية، وقد ترتبط في بعض الحالات بجرائم أخرى مثل غسل الأموال، وهو ما يضاعف من خطورتها ويجعلها تتجاوز مجرد النصب الفردي إلى تهديد للأمن الاقتصادي.
وفي المقابل، تؤكد الضربات الأمنية المتلاحقة نجاح أجهزة إنفاذ القانون في تعقب مرتكبي تلك الجرائم، وضبطهم، وتتبع الأموال المتحصلة منها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم. إلا أن استمرار ظهور قضايا جديدة يؤكد أن المواجهة يجب ألا تقتصر على الضبط فقط، بل يجب أن تشمل مزيدًا من الرقابة على أنشطة جمع الأموال، وتسريع إجراءات رد الحقوق للضحايا، وتكثيف حملات التوعية بخطورة الانسياق وراء وعود الأرباح الخيالية.
فالقاعدة التي أثبتتها جميع قضايا “المستريحين” واحدة: لا توجد أرباح مضمونة وخيالية دون مخاطر أو سند قانوني. وكل من يجمع أموال المواطنين دون ترخيص، أو يعد بعوائد استثنائية لا تتناسب مع طبيعة السوق، يثير علامات استفهام تستوجب الحذر والإبلاغ.
لقد أصبحت ظاهرة “المستريح” معركة وعي قبل أن تكون معركة أمن، وحماية مدخرات المواطنين مسؤولية مشتركة بين أجهزة الدولة، ووسائل الإعلام، والمجتمع، حتى لا تتحول أحلام البسطاء في حياة كريمة إلى فريسة جديدة لعصابات الاحتيال المالي.



