
لم تعد جرائم الغش التجاري مجرد مخالفات تموينية عابرة، بل تحولت إلى حرب خفية تستهدف صحة ملايين المواطنين. فحين تتمكن الأجهزة الرقابية بمحافظة أسيوط من ضبط نحو 2000 عبوة مشروبات مجهولة المصدر، وكميات من الزيوت غير معلومة المصدر خلال حملة مكثفة بمدينة ديروط، فإن الأمر يكشف أن هناك من يدير تجارة قائمة على استباحة أرواح الناس، غير عابئ بما قد تسببه هذه المنتجات من تسمم أو أمراض مزمنة أو كوارث صحية.
إن أخطر ما في السلع مجهولة المصدر أنها تدخل الأسواق دون رقابة حقيقية على مكوناتها أو طريقة تصنيعها أو ظروف تخزينها. وقد تكون هذه الزيوت معاد تدويرها من مخلفات المطاعم، أو مخزنة في أماكن غير مطابقة للاشتراطات الصحية، بينما قد تحتوي المشروبات المضبوطة على مواد غير مطابقة للمواصفات أو منتهية الصلاحية، وهو ما يجعلها قنابل موقوتة على موائد المواطنين.
وتؤكد الحملات التموينية التي وجه بها محافظ أسيوط أن الدولة لم تعد تسمح بترك الأسواق فريسة لجشع بعض التجار، وأن الأجهزة التنفيذية تتحرك ميدانيًا لملاحقة كل من يحاول تحقيق ثروات غير مشروعة على حساب صحة المصريين. لكن هذه الضبطيات يجب أن تكون بداية الطريق، لا نهايته، فالمطلوب هو الوصول إلى المصانع السرية ومخازن التعبئة غير المرخصة، وضبط شبكات التوزيع التي تغذي الأسواق بهذه السلع الخطرة، ومصادرة المعدات المستخدمة في إنتاجها، وإغلاق أوكار الغش نهائيًا.
ولا يكفي تحرير المحاضر أو مصادرة المضبوطات، بل يجب توقيع أقصى العقوبات التي يجيزها القانون بحق كل من يثبت تورطه في تصنيع أو تعبئة أو بيع أو توزيع منتجات غذائية مجهولة المصدر، لأن من يبيع غذاءً فاسدًا لا يقل خطرًا عن أي مجرم يهدد أمن المجتمع. فجريمة الإضرار بصحة المواطنين تمس الأمن القومي الغذائي، وآثارها قد تمتد إلى آلاف الأسر.
كما أن على المواطنين ألا يكونوا شركاء، ولو دون قصد، في استمرار هذه التجارة، وذلك بعدم الانسياق وراء الأسعار المتدنية أو شراء المنتجات التي تفتقد البيانات الأساسية أو مجهولة المنشأ، والإبلاغ فورًا عن أي منافذ بيع تروج لسلع مشبوهة.
إن حماية الأسواق ليست مسؤولية أجهزة الرقابة وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. وستظل الحملات المكثفة رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه الاتجار بصحة المصريين: لا مكان للغشاشين بيننا، ومن يعبث بغذاء المواطن سيجد القانون في انتظاره، وسيواجه حسابًا رادعًا يحفظ حق المجتمع ويصون أمنه الغذائي.







