
فى كثير من الأحيان ينشغل المجتمع بنتائج الأزمات أكثر من اهتمامه بأسبابها، فعندما تتفكك أسرة أو يصل زوجان إلى ساحات المحاكم، يبدأ البحث عن حلول قانونية تنظم الطلاق والحضانة والنفقة والرؤية، بينما يظل السؤال الأهم مطروحًا: هل كان يمكن منع الأزمة من البداية ؟
هذا السؤال تحديدًا أعاد فتح النقاش حول أهمية التأهيل قبل الزواج، باعتباره أحد أهم أدوات الوقاية من المشكلات الأسرية، وخلال الأيام الماضية، تصاعدت الدعوات إلى إدراج برامج إعداد وتأهيل للمقبلين على الزواج ضمن مشروع قانون الأحوال الشخصية، بهدف بناء أسر أكثر وعيًا واستقرارًا، وهو ما عاد إلى الواجهة بقوة مع تقدم حزب حماة الوطن بمشروع قانون للتأهيل الأسري الإلزامي للمقبلين على الزواج.
وتأتى أهمية هذا التطور فى أنه ينقل فكرة التأهيل الأسرى من دائرة المبادرات المجتمعية والكنسية والأهلية إلى دائرة التشريع، بما يمنحها قوة التطبيق والاستدامة على نطاق واسع.
الوقاية قبل العلاج فى قانون الأسرة
بدأت الفكرة من مناقشة أوسع لقانون الأسرة وأولويات الإصلاح التشريعى، ففى الوقت الذي يركز فيه الكثيرون على الإجراءات اللاحقة للخلافات الزوجية، جرى طرح رؤية مختلفة تدعو إلى الاهتمام بمرحلة ما قبل الزواج باعتبارها نقطة الانطلاق الحقيقية لبناء الأسرة.
وأكدت هذه الرؤية أن الزواج ليس مجرد مناسبة اجتماعية أو عقد قانوني، بل مشروع حياة يحتاج إلى قدر كبير من الوعي والاستعداد النفسي والاجتماعي والقانوني والصحي. كما شددت على أن جزءًا كبيرًا من الخلافات الأسرية ينشأ نتيجة غياب المعرفة بطبيعة الحياة المشتركة، وضعف مهارات الحوار وإدارة الخلافات، وعدم الإلمام بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين.
وانطلقت الدعوة من اقتراح واضح بضرورة أن يتضمن قانون الأحوال الشخصية نصًا يلزم المقبلين على الزواج باجتياز برامج تأهيلية معتمدة تشمل الجوانب الدينية والنفسية والاجتماعية والقانونية والصحية، بحيث يصبح التأهيل خطوة أساسية تسبق إتمام الزواج.
إشادة كنسية بدعوات التأهيل الأسرى
وجدت هذه الرؤية صدى لدى عدد من المهتمين بالشأن الأسرى والدينى، وفى هذا السياق أشاد القس رفعت فكرى بالمقال الذى تناول فكرة “التوعية قبل العلاج في قانون الأحوال الشخصية” فى اليوم السابع، معتبرًا أن إدراج برامج التأهيل للمقبلين على الزواج يمثل خطوة مهمة لحماية الأسرة من النزاعات قبل وقوعها.
وأكد أن إعداد الشباب والفتيات للحياة الزوجية من خلال برامج متخصصة يسهم في تعزيز قدرتهم على الحوار والتفاهم وتحمل المسؤوليات المشتركة، كما يساعد على إدارة الخلافات بصورة صحية بعيدًا عن التصعيد والصدام.
وأشار إلى أن الاستثمار الحقيقي في استقرار الأسرة يبدأ قبل الزواج وليس بعد وقوع المشكلات، موضحًا أن كثيرًا من الأزمات الزوجية ترتبط بضعف الوعي بطبيعة العلاقة الزوجية ومتطلباتها، الأمر الذي يجعل التأهيل المسبق ضرورة مجتمعية وليست مجرد رفاهية ثقافية.
دعم قانوني وطبي لفكرة الإعداد المسبق
لم يقتصر التأييد على الجانب الديني فقط، بل امتد إلى المختصين في المجال القانونى، فقد أكدت المحامية مها أبو بكر دعمها لفكرة تأهيل المقبلين على الزواج، مشددة على أهمية التعامل بجدية أكبر مع الفحوصات الطبية السابقة للزواج.
وترى أن بناء أسرة سليمة يبدأ من التأكد من الجاهزية الصحية والنفسية للزوجين، وهو ما ينعكس لاحقًا على استقرار العلاقة الزوجية وسلامة الأبناء والمجتمع بأكمله.
ويؤكد هذا الطرح أن التأهيل الأسري لا يقتصر على الجوانب المعرفية أو القانونية فقط، بل يشمل أيضًا البعد الصحي والنفسي، باعتباره جزءًا أصيلًا من عملية الإعداد لتكوين أسرة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة.
من الدعوة المجتمعية إلى مشروع قانون
ومع تزايد الحديث حول أهمية التأهيل الأسري، جاءت خطوة حزب حماة الوطن لتمنح الفكرة بعدًا تشريعيًا أكثر وضوحًا، فقد تقدم الحزب بمشروع قانون جديد بشأن التأهيل الأسري الإلزامي للمقبلين على الزواج، في إطار رؤية تستهدف دعم الاستقرار الأسري والحد من معدلات الطلاق المبكر، عبر إعداد الزوجين نفسيًا واجتماعيًا قبل بدء الحياة المشتركة.
وينص المشروع على إلزام المقبلين على الزواج بالالتحاق ببرامج تدريبية متخصصة تتناول إدارة الحوار بين الزوجين، وفهم المسؤوليات المشتركة، وأساليب التعامل مع الخلافات، إضافة إلى الوعي المالي، والتعريف بالحقوق والواجبات القانونية، وتعزيز الفهم الشرعي والقيمي للزواج.
كما يتوافق المشروع مع العديد من المبادرات القائمة بالفعل، مثل برنامج “مودة” التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، فضلًا عن الدورات التي تنظمها الكنائس ومراكز المشورة الأسرية، لكنه يمنح هذه الجهود إطارًا قانونيًا أكثر شمولًا واستدامة.
أهداف تتجاوز حدود الأسرة
ولا يقتصر الهدف من مشروع القانون على تحسين العلاقة بين الزوجين فقط، بل يمتد إلى معالجة عدد من التحديات الاجتماعية المرتبطة بتفكك الأسرة.
فبحسب التصورات المطروحة، يسهم التأهيل الأسرى فى خفض نسب الطلاق المبكر خلال السنوات الأولى من الزواج، وتقليل حجم النزاعات الأسرية التي تصل إلى المحاكم، وتخفيف الضغط على منظومة التقاضي ومكاتب تسوية المنازعات الأسرية.
وينعكس استقرار الأسرة بشكل مباشر على الأطفال، الذين يعدون أكثر الفئات تأثرًا بالخلافات الزوجية والانفصال، ما يجعل التأهيل قبل الزواج استثمارًا طويل المدى في الاستقرار الاجتماعي والتنمية البشرية.
رؤية تتلاقى مع توجهات الإصلاح الأسرى
ويأتى طرح التأهيل الإلزامى للمقبلين على الزواج متسقًا مع الاتجاهات الحديثة فى التعامل مع قضايا الأسرة، والتي تقوم على الوقاية المبكرة بدلًا من الاقتصار على التدخل بعد وقوع الأزمة، فالقوانين الأكثر فاعلية ليست تلك التي تنظم النزاعات فقط، وإنما تلك التى تساعد على منع حدوثها من الأساس. ومن هذا المنطلق تبدو برامج التأهيل الأسرى أحد أهم الأدوات القادرة على تعزيز الوعى المجتمعى وبناء ثقافة أسرية أكثر نضجًا.
ومع اتساع دائرة التأييد المجتمعي والديني والقانوني للفكرة، وظهور مشروعات تشريعية تتبناها بشكل مباشر، يبدو أن التأهيل قبل الزواج لم يعد مجرد مقترح نظري أو مبادرة توعوية، بل أصبح أحد المسارات الجادة المطروحة على طاولة الإصلاح الأسري فى مصر.
نحو جيل أكثر وعيًا بالحياة الزوجية
وفى النهاية، قد تختلف الآراء حول تفاصيل التطبيق وآليات التنفيذ، لكن الاتفاق يتزايد حول أهمية إعداد الشباب والفتيات للحياة الزوجية قبل الدخول إليها، فالمعرفة والوعى لا يلغيان الخلافات الإنسانية الطبيعية، لكنهما يمنحان الزوجين أدوات أفضل للتعامل معها.
ولهذا فإن نجاح أي تشريع مستقبلي فى ترسيخ ثقافة التأهيل قبل الزواج لن يعنى فقط تنظيم إجراءات الزواج، بل قد يسهم في بناء جيل أكثر وعيًا بمسؤوليات الأسرة، وأكثر قدرة على تأسيس بيوت مستقرة تقوم على الحوار والاحترام والتفاهم، وهو ما يمثل في النهاية ركيزة أساسية لمجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا.







