
في ظل التحديات الاقتصادية المتلاحقة، والتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم يعد الحوار حول مستقبل التنمية رفاهية أو مجرد تبادل للأفكار، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، وما تتطلبه من مراجعة للأولويات، وإعادة ترتيب للمسارات، والبحث عن حلول عملية قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي واحتياجات المواطنين.
ومن هنا، تبرز أهمية منتدى مصر 2026، المقرر انعقاده خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري، باعتباره مساحة للحوار حول القضايا الوطنية، وفرصة لمناقشة الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الاستثمار والإنتاج والتشغيل والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والأمن الغذائي والمائي.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في جميع المناقشات هو: ماذا بعد الحوار؟ وكيف يمكن تحويل الأفكار والمقترحات إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، بحيث لا تبقى مخرجات المنتدى حبيسة الأوراق والتصريحات، وإنما تتحول إلى خطوات عملية تنعكس على الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة المواطنين؟
الحوار الوطني.. مناقشة التحديات وصناعة الحلول
تكتسب المنتديات الوطنية أهميتها من قدرتها على جمع وجهات النظر المختلفة، وإتاحة الفرصة أمام الخبراء والمتخصصين وممثلي المؤسسات التشريعية والتنفيذية والمجتمع لمناقشة القضايا العامة، بعيدًا عن الاكتفاء بتوصيف المشكلات أو تكرار المطالب.
وفي هذا الإطار، تمثل مشاركة المواطنين والاستماع إلى احتياجاتهم عنصرًا أساسيًا في صياغة أولويات التنمية؛ فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يتوقف فقط على سلامة أهدافها النظرية، وإنما يرتبط أيضًا بمدى قدرتها على الاستجابة للتحديات الفعلية التي تواجه الأسر المصرية، سواء فيما يتعلق بفرص العمل أو تكلفة المعيشة أو جودة الخدمات الأساسية.
وقد أكد النائب الدكتور علي مهران، عضو مجلس الشيوخ، أن منتدى مصر 2026 يمثل محطة وطنية مهمة لإعادة ترتيب الأولويات ورسم ملامح المستقبل، مشيرًا إلى أن مناقشة ملفات الاقتصاد والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والأمن الغذائي والمائي تتيح فرصة لتقييم السياسات العامة وتحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحًا.
وتبقى القيمة الحقيقية للحوار مرتبطة بقدرته على الانتقال من مرحلة عرض التحديات إلى تقديم حلول محددة، تستند إلى دراسات واقعية، وتحدد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، والجداول الزمنية المطلوبة، وآليات المتابعة والتقييم.
الاستثمار وحده لا يكفي.. الأولوية للاقتصاد المنتج
يمثل جذب الاستثمارات أحد المحاور المهمة في دعم الاقتصاد المصري، لكنه لا ينبغي أن يكون هدفًا منفصلًا عن بقية الأهداف التنموية. فالأهمية الحقيقية لأي استثمار تتحدد بقدرته على خلق قيمة مضافة، وزيادة الإنتاج، وتوفير فرص عمل مستقرة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجات السوق المحلية والمنافسة في الأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، أشار النائب جرجس لاوندي، عضو مجلس النواب، إلى أهمية تبني نهج تنموي يركز على النتائج، بحيث لا يقتصر تقييم الأداء الاقتصادي على حجم المشروعات أو قيمة الاستثمارات، وإنما يمتد إلى قياس مساهمتها في زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
وهنا تبرز ضرورة توجيه جانب أكبر من الاهتمام إلى القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والأنشطة القادرة على زيادة القيمة المضافة، إلى جانب تطوير الخدمات والقطاعات الواعدة التي يمكنها توفير فرص عمل جديدة.
كما أن تعظيم الاستفادة من البنية التحتية التي أنجزتها الدولة يتطلب ربطها بمشروعات إنتاجية قادرة على التشغيل والتصدير، بدلًا من الاكتفاء بالنظر إليها باعتبارها إنجازات مستقلة عن النشاط الاقتصادي. فالبنية التحتية تحقق عائدها التنموي الكامل عندما تسهم في خفض تكاليف الإنتاج والنقل، وتسهيل حركة التجارة، وتحفيز إقامة المشروعات وتوسعها.
ولا يقل عن ذلك أهمية تحسين مناخ الاستثمار، من خلال وضوح السياسات الاقتصادية، وتيسير إجراءات التراخيص، وتقليل الأعباء الإدارية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار والشفافية، بما يمنح المستثمرين رؤية واضحة تساعدهم على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة.. شركاء في التنمية
لا يمكن بناء اقتصاد متنوع وقادر على توليد فرص العمل بالاعتماد على جهود طرف واحد؛ فالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص تمثل أحد المسارات المهمة لتوسيع النشاط الاقتصادي، والاستفادة من الخبرات ورؤوس الأموال والقدرات الإنتاجية المتاحة.
وأكد النائب أحمد حافظ، عضو مجلس الشيوخ، أن تعزيز الثقة في السوق المصرية يتطلب توفير بيئة أكثر استقرارًا ووضوحًا أمام المستثمرين، مع دعم القطاعات الإنتاجية وتوسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية، بما يسهم في زيادة القيمة المضافة ورفع معدلات التشغيل.
غير أن نجاح هذه الشراكة يتطلب تحديدًا واضحًا للأدوار، وتطبيق قواعد شفافة، وتوفير آليات فعالة لتشجيع المشروعات الجادة، مع الاهتمام بإزالة المعوقات التي تحول دون توسع الشركات أو دخول استثمارات جديدة إلى السوق.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تنحصر السياسات الاستثمارية في المشروعات الكبرى وحدها، إذ تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة عنصرًا مهمًا في خلق فرص العمل، ودعم سلاسل الإنتاج، وتوفير فرص أوسع أمام الشباب ورواد الأعمال.
ومن ثم، فإن تسهيل حصول هذه المشروعات على التمويل، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، ومساعدتها على استخدام التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق، يمكن أن يعزز مساهمتها في الاقتصاد الوطني، ويمنح قطاعات أوسع من المجتمع فرصة المشاركة في النشاط الإنتاجي.
فرص العمل وتحسين المعيشة.. المعيار الأهم للنجاح
قد تسجل المؤشرات الاقتصادية تحسنًا في بعض المجالات، لكن أثر هذا التحسن يظل محدودًا من وجهة نظر المواطن إذا لم ينعكس على فرص العمل والدخل وجودة الخدمات والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
ولهذا، فإن تقييم نتائج منتدى مصر 2026 ينبغي أن يرتبط بمجموعة من المؤشرات الواضحة، تشمل عدد فرص العمل الجديدة واستدامتها، ومعدلات نمو الإنتاج، وحجم الاستثمارات التي تحولت بالفعل إلى مشروعات عاملة، ومدى تحسن الخدمات الأساسية، واتساع فرص المشاركة الاقتصادية أمام الشباب والمرأة والفئات الأكثر احتياجًا.
ولا يتعلق الأمر بمجرد الإعلان عن أرقام أو مستهدفات، وإنما بضرورة قياس النتائج الفعلية، ومقارنتها بالأهداف المعلنة، وتوضيح ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، بما يدعم الشفافية ويعزز الثقة بين المؤسسات والمجتمع.
كما أن الحماية الاجتماعية ينبغي أن تظل جزءًا أساسيًا من المعادلة التنموية؛ فالإصلاح الاقتصادي لا ينفصل عن مراعاة الفئات التي تتحمل أعباء أكبر، وتوفير شبكات حماية تساعدها على مواجهة الضغوط المعيشية، بالتوازي مع سياسات تتيح فرصًا مستدامة للعمل والإنتاج.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع ضرورة تطوير التعليم والتدريب المهني وربطهما باحتياجات سوق العمل، حتى لا تتسع الفجوة بين مؤهلات الخريجين والمهارات المطلوبة في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
التنمية المتوازنة تبدأ من المحافظات
من القضايا التي تستحق حضورًا واضحًا على أجندة المنتدى مسألة التوزيع الجغرافي للاستثمارات وفرص العمل، إذ لا تتحقق التنمية المتوازنة بمجرد زيادة حجم النشاط الاقتصادي على المستوى القومي، وإنما تتطلب توسيع نطاق الاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف المحافظات.
ويمكن لكل محافظة أن تستفيد من مزاياها النسبية، سواء في الزراعة أو الصناعة أو السياحة أو الخدمات أو الأنشطة المرتبطة بموقعها الجغرافي ومواردها البشرية والطبيعية.
ويستدعي ذلك إعداد خطط استثمارية تتناسب مع طبيعة كل منطقة، وتدعم إقامة المشروعات القادرة على توفير فرص عمل محلية، وتحد من اضطرار المواطنين إلى الانتقال لمسافات بعيدة بحثًا عن العمل والخدمات.
كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المحافظات، وربطها بالأسواق وسلاسل التوريد، يمكن أن يسهم في زيادة الدخول المحلية، وتعزيز النشاط الاقتصادي، وتوسيع قاعدة المستفيدين من جهود التنمية.
من التوصيات إلى التنفيذ.. التحدي الحقيقي
إن التحدي الأكبر أمام منتدى مصر 2026 لا يتمثل في عدد الجلسات أو تنوع المشاركين أو حجم المقترحات التي ستُطرح، وإنما في القدرة على تحويل مخرجات الحوار إلى برنامج عمل واضح، يتضمن أولويات محددة، ومسؤوليات معلنة، وجداول زمنية قابلة للمتابعة، ومؤشرات دقيقة لقياس الأداء.
وهنا تبرز أهمية وضع آلية لمتابعة تنفيذ التوصيات بعد انتهاء المنتدى، مع تحديد الجهات المعنية بكل ملف، وإعلان ما يمكن تنفيذه على المدى القصير وما يحتاج إلى إصلاحات ممتدة، فضلًا عن مراجعة النتائج بصورة دورية.
فالتوصية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تظل فكرة مؤجلة، مهما كانت أهميتها، بينما يمكن لمقترح محدد ومدروس أن يتحول إلى سياسة مؤثرة إذا توافرت له الإرادة التنفيذية والموارد وآليات الرقابة والتقييم.
ومن الضروري أيضًا أن تتسم عملية المتابعة بالشفافية، وأن تتيح للمواطنين معرفة ما تم إنجازه، والتحديات التي واجهت التنفيذ، والإجراءات المتخذة لمعالجتها. فالمشاركة المجتمعية لا تنتهي بانتهاء جلسات الحوار، وإنما تستمر من خلال متابعة النتائج والمساءلة وتقييم الأثر.
مستقبل الاقتصاد مسؤولية مشتركة
في النهاية، يمثل منتدى مصر 2026 فرصة لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، وبناء تصورات أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع ومتطلبات الاقتصاد الوطني. غير أن الاستفادة من هذه الفرصة ستظل مرتبطة بمدى القدرة على تحقيق التكامل بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتوسيع فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات.
وتتفق الرؤى التي طرحها النواب علي مهران وجرجس لاوندي وأحمد حافظ على أهمية تجاوز مرحلة طرح الأفكار إلى وضع حلول عملية قابلة للتنفيذ، مع اختلاف الملفات التي ركز عليها كل منهم، من المشاركة المجتمعية إلى تنافسية الاقتصاد وتوسيع الاستثمار.
ويبقى الرهان الحقيقي على أن تتحول هذه الرؤى إلى خطوات ملموسة، يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية، ويرى أثرها في فرص العمل والدخل والخدمات وتكافؤ الفرص.
فالمستقبل الاقتصادي لا تصنعه المؤتمرات وحدها، بل تصنعه السياسات القابلة للتطبيق، والمؤسسات القادرة على التنفيذ، والمشاركة المجتمعية الجادة، والمتابعة المستمرة للنتائج. ومن هنا، فإن نجاح منتدى مصر 2026 لن يُقاس بما سيقال خلال أيام انعقاده فحسب، بل بما سيحدث بعدها على أرض الواقع.







