عاجلمنوعات

بريق الحرباء.. المستشارة تهاني التري تكشف لماذا أصبح الصدق غربة والتملق جواز مرور

الحقيقة نيوز

سلطت المستشارة تهاني التري الضوء على واحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية التي تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات الإنسانية ومعايير القبول والتقدير داخل المجتمع، وهي انتشار التملق والتلون في المواقف، مقابل تراجع مساحة الصدق والوضوح، في مشهد باتت فيه الأقنعة أحيانًا أكثر قبولًا من الوجوه الحقيقية.

 

ومن خلال مقالها «بريق الحرباء حين يصبح الصدق غربة والتملق جواز مرور»، ناقشت التري المفارقة التي يعيشها بعض أصحاب المبادئ، عندما يجدون أنفسهم بعيدين عن دوائر الاهتمام، في حين يحظى الأشخاص الذين يجيدون تغيير مواقفهم وفقًا للمصالح بقدر أكبر من القبول والتأييد.

 

لماذا يحظى أصحاب الوجوه المتعددة بالقبول؟

 

ترى المستشارة تهاني التري أن التلون الاجتماعي أصبح وسيلة يلجأ إليها البعض لكسب رضا الآخرين وتوسيع دائرة العلاقات، من خلال المجاملات المبالغ فيها، والابتسامات المصطنعة، وتقديم الكلام الذي يرغب الآخرون في سماعه، بعيدًا عن المواجهة الصريحة أو إبداء الرأي الحقيقي.

 

وتشير إلى أن هذه السلوكيات قد تمنح أصحابها قبولًا سريعًا، لأنها تجنب المحيطين بهم الشعور بالانتقاد أو مواجهة الأخطاء، وهو ما يجعل الحقيقة في بعض المواقف أقل جاذبية من الكلام الذي يرضي الجميع.

 

وتطرح هذه الرؤية تساؤلًا مهمًا حول طبيعة المعايير التي تحكم العلاقات الاجتماعية: هل أصبح القبول مرتبطًا بمدى قدرة الإنسان على إرضاء الآخرين، بدلًا من صدقه ومصداقيته؟

 

الصدق في مواجهة الأقنعة الاجتماعية

 

في المقابل، تتناول التري معاناة الإنسان الذي يتمسك بمبادئه ويرفض تغيير قناعاته لمجرد الحصول على القبول الاجتماعي، موضحة أن الوضوح والصراحة قد يضعانه أحيانًا في مواجهة مواقف صعبة، خاصة عندما تتعارض آراؤه مع مصالح الآخرين أو توقعاتهم.

 

وتوضح أن الإنسان الصادق قد يجد نفسه بعيدًا عن بعض الدوائر الاجتماعية، ليس بالضرورة بسبب خطأ ارتكبه، وإنما نتيجة رفضه الدخول في علاقات تقوم على المجاملة المصطنعة أو المصالح المتبادلة.

 

وتؤكد أن هذه الغربة قد تمثل اختبارًا حقيقيًا للثبات على المبادئ، إذ يجد الإنسان نفسه أمام اختيار صعب بين الحفاظ على هويته وقناعاته، أو التنازل عنها من أجل الحصول على رضا المحيطين به.

 

التملق.. عندما تتحول المجاملة إلى وسيلة للمصلحة

 

وتفرق الرؤية التي تطرحها المستشارة تهاني التري بين المجاملة الطبيعية التي تعكس الاحترام واللباقة، وبين التملق الذي يرتبط بتغيير المواقف وفقًا للمصلحة الشخصية.

 

فالمشكلة، وفقًا لهذا الطرح، لا تكمن في اللطف أو مراعاة مشاعر الآخرين، وإنما في استخدام الكلمات والمواقف باعتبارها أدوات لتحقيق المكاسب، حتى لو تعارضت مع الحقيقة أو المبادئ التي يعلنها الإنسان.

 

وتحذر من أن انتشار هذا النمط قد يؤدي إلى اضطراب معايير التقييم داخل المجتمع، عندما يصبح المظهر أهم من الجوهر، ويُنظر إلى القدرة على كسب المؤيدين باعتبارها دليلًا على النجاح، دون الالتفات إلى مدى صدق العلاقات أو ثبات المواقف.

 

هل يتنازل الإنسان عن مبادئه خوفًا من العزلة؟

 

وتلفت التري إلى أن أخطر ما قد يواجه الإنسان الصادق هو التردد أمام الضغوط الاجتماعية، حين يبدأ في التساؤل عما إذا كان عليه تغيير أسلوبه أو التخلي عن بعض قناعاته حتى يحظى بالقبول.

 

وترى أن الاستسلام لهذه الضغوط قد يدفع الإنسان تدريجيًا إلى فقدان هويته، والتحول إلى نسخة لا تعبر عن شخصيته الحقيقية، وإنما تتشكل وفقًا لما يرضي الآخرين.

 

وتؤكد أن الثبات على المبادئ يمثل وسيلة لحماية الإنسان من الانجراف وراء التصفيق المؤقت، مشيرة إلى أن كثرة العلاقات لا تعني بالضرورة صدقها، وأن الإعجاب الظاهري لا يعكس دائمًا احترامًا حقيقيًا.

 

الأصالة والاتزان النفسي.. ما الذي يبقى بعد سقوط الأقنعة؟

 

وتشدد المستشارة تهاني التري على أن التمسك بالأصالة لا يعني رفض المجتمع أو الدخول في صراعات مستمرة مع الآخرين، بل يتطلب القدرة على الجمع بين الصراحة والاحترام، والحفاظ على المبادئ دون إساءة أو تعالٍ.

 

كما تشير إلى أن الإنسان يستطيع بناء علاقات صحية تقوم على الثقة والوضوح، مع إدراك أن إرضاء الجميع غاية يصعب تحقيقها، وأن الحفاظ على احترام الذات أهم من الحصول على قبول مؤقت قائم على المجاملة الزائفة.

 

وتخلص رؤيتها إلى أن الزيف، مهما حقق من انتشار أو إعجاب، يظل معرضًا للانكشاف مع مرور الوقت، بينما تمنح الأصالة صاحبها شعورًا بالتصالح مع الذات، وتساعده على بناء علاقات أكثر استقرارًا وصدقًا.

 

وتبقى الرسالة الأساسية التي يطرحها المقال أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد من يصفقون له، أو بحجم دائرة علاقاته، وإنما بمدى صدقه وثباته على مبادئه وقدرته على الحفاظ على جوهره في مواجهة الضغوط الاجتماعية.

 

ففي عالم تتعدد فيه الأقنعة، قد يبدو التلون طريقًا أسهل للقبول، لكن الحقيقة تظل أكثر قدرة على ترك أثر مستدام، لأن الأقنعة مهما طال بقاؤها تسقط، ولا يبقى في النهاية إلا جوهر الإنسان وأثر مواقفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى