لم تعد معادلة الأمن في الدولة الحديثة تقتصر على مطاردة الخارجين على القانون أو فرض الانضباط في الشارع، بل أصبحت أحد أهم المؤشرات التي يقيس بها المستثمر والسائح ورجل الأعمال والمواطن قدرة الدولة على بناء مستقبلها. فكل مشروع تنموي يحتاج إلى بيئة مستقرة، وكل استثمار يبحث أولًا عن دولة تستطيع حماية القانون قبل حماية رأس المال.
ومنذ ما بعد ثورة 30 يونيو، اتجهت الدولة المصرية إلى إعادة بناء مفهوم الأمن الداخلي بصورة مختلفة؛ فلم يعد رجل الأمن مجرد منفذ للقانون، بل أصبح شريكًا في معركة التنمية، وحائط الصد الأول أمام الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والاتجار بالمخدرات وغسل الأموال، وهي جرائم كانت كفيلة بإرباك أي مشروع اقتصادي مهما بلغت قوته.
ولعل أكبر تحول شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة هو انتقال الأجهزة الأمنية من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة الاستباقية. فشبكات الجريمة لم تعد تُترك حتى تتمدد، بل أصبح التعامل معها يعتمد على جمع المعلومات، والتحليل، والتكنولوجيا، والتنسيق بين مختلف الأجهزة، وهو ما انعكس في نجاحات متتالية في ضبط تشكيلات إجرامية كبرى، وإحباط عمليات تهريب ضخمة، وتوجيه ضربات موجعة لعصابات الاتجار بالمخدرات والأسلحة.
هذا التحول لم يكن هدفه تحقيق أرقام إعلامية، وإنما خلق مناخ يشعر فيه المواطن بأن الدولة موجودة في كل شارع، وأن القانون يسبق الجريمة بخطوة. وعندما يشعر المواطن بالأمان، تتحرك عجلة الاقتصاد بصورة طبيعية، ويزداد الإقبال على الاستثمار، وتستعيد الأسواق نشاطها، وتصبح المدن أكثر قدرة على جذب الزوار.
كما أن الأمن أصبح عنصرًا أساسيًا في ملف السياحة. فالسائح لا يختار المقصد السياحي على أساس جمال الآثار أو الشواطئ فقط، بل يبحث أيضًا عن وجهة يشعر فيها بالطمأنينة منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته. ولذلك فإن استقرار الأوضاع الأمنية يمثل أحد أهم عوامل تعزيز الصورة الذهنية لمصر في الخارج، إلى جانب ما تمتلكه من مقومات حضارية وثقافية وسياحية فريدة.
ولم يقتصر الدور الأمني على مواجهة الجرائم التقليدية، بل امتد إلى الجرائم الإلكترونية، التي أصبحت أحد أخطر التحديات في العصر الرقمي. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في جهود مكافحة الاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الرقمي، وجرائم الاختراق، بما يعكس تطورًا في أدوات العمل الأمني لمواكبة طبيعة التهديدات الجديدة.
وفي الوقت نفسه، لعبت الأجهزة الأمنية دورًا مهمًا في تأمين المشروعات القومية، وشبكات الطرق، والموانئ، والمناطق الصناعية، والعاصمة الإدارية الجديدة، والمدن الذكية، وهي جميعها مشروعات تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تحقق أهدافها الاقتصادية والتنموية.
إن التجربة المصرية تؤكد أن الأمن والتنمية ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لعملة واحدة. فلا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار يدوم من دون مؤسسات أمنية قادرة على حماية القانون وفرض هيبة الدولة واحترام حقوق المواطنين.
ويبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا التوازن بين اليقظة الأمنية، والتطوير المستمر، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، لأن الأمن في الجمهورية الجديدة لم يعد مجرد ملف سيادي، بل أصبح أحد أهم محركات التنمية، وجسرًا تعبر عليه الدولة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.







