عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: كنز الوهم..كيف تحولت أحلام الثراء السريع إلى مقابر تحت الأرض

لم تكن المأساة التي شهدتها قرية مير بمحافظة أسيوط، وأسفرت عن مصرع خمسة أشخاص داخل حفرة بلغ عمقها نحو ثمانية أمتار أثناء التنقيب غير المشروع عن الآثار، هي الأولى من نوعها، وربما لن تكون الأخيرة إذا استمر الانسياق وراء أوهام الثراء السريع.

وتشير التحقيقات الأولية المتداولة إلى أن الضحايا كانوا يحفرون داخل أحد المنازل اعتقادًا بوجود آثار أو كنوز مدفونة، قبل أن تنهار عليهم الرمال وجدران الحفرة، ليتحول الحلم الذي راودهم إلى مأساة إنسانية أودت بحياتهم في دقائق معدودة.

هذه الواقعة تعيد إلى الأذهان عشرات الحوادث التي شهدتها محافظات مختلفة خلال السنوات الأخيرة، منها وقائع في محافظات المنيا وسوهاج وقنا والجيزة والشرقية والدقهلية، حيث لقي أشخاص مصرعهم أو أصيبوا بإصابات بالغة بعد انهيار حفر عميقة أثناء التنقيب غير المشروع عن الآثار. وفي بعض الوقائع انهارت منازل بالكامل، بينما اضطرت قوات الحماية المدنية إلى انتشال الضحايا بعد ساعات طويلة من البحث أسفل الأنقاض.

كما كشفت أجهزة الأمن في مناسبات عديدة عن تشكيلات وعصابات تخصصت في التنقيب غير المشروع، حيث يتم استئجار منازل أو الحفر أسفل منازل قديمة، والاستعانة بأشخاص يزعمون امتلاكهم القدرة على تحديد أماكن الكنوز، بل وصل الأمر في بعض القضايا إلى استخدام أجهزة مزيفة يدّعي أصحابها أنها تكشف الذهب والآثار، مقابل مبالغ مالية ضخمة.

ولم تتوقف الوقائع عند الانهيارات فقط، بل شهدت بعض القضايا خلافات بين المشاركين في التنقيب حول اقتسام الأموال أو القطع الأثرية المزعومة، انتهى بعضها بجرائم قتل أو شروع في قتل، ما يعكس حجم المخاطر التي تحيط بهذا النشاط غير المشروع.

ومن الناحية القانونية، فإن التنقيب عن الآثار دون ترخيص يُعد جريمة يعاقب عليها القانون، لما تمثله من اعتداء على التراث القومي، فضلًا عن تعريض الأرواح والممتلكات للخطر. كما تواجه شبكات الاتجار بالآثار اتهامات أخرى تتعلق بحيازة وتهريب الممتلكات الأثرية، وهي جرائم تصل عقوباتها إلى السجن المشدد والغرامات الكبيرة، وفقًا لأحكام قانون حماية الآثار.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد مخالفة القانون، وإنما انتشار الاعتقاد بأن الثراء يمكن أن يتحقق في ليلة واحدة عبر حفرة سرية أو أسطورة متوارثة عن كنز مدفون. وهذه الأفكار استغلها دجالون وسماسرة، أقنعوا ضحاياهم بأنهم على بعد أمتار من ملايين الجنيهات، بينما كانت الحقيقة أنهم يقتربون من الموت.

حادث مير يجب أن يكون رسالة واضحة بأن البحث عن الكنوز المزعومة قد ينتهي بانهيار الأرض على أصحابها، وأن الحفاظ على الأرواح والتراث مسؤولية لا تقل أهمية عن تطبيق القانون بحزم على كل من يروج أو يشارك في هذه الجرائم.

وربما يكون الدرس الأهم أن الثراء الحقيقي لا يُستخرج من باطن الأرض بالحفر المخالف للقانون، وإنما يتحقق بالعمل والإنتاج، أما أوهام الكنوز المدفونة فلم تترك خلفها، في كثير من الوقائع، سوى أسر فقدت أبناءها، ومنازل تهدمت، وقضايا جنائية امتلأت بها ساحات المحاكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى