حين يتردد رقم يقترب من 40 مليار جنيه في أروقة التحقيقات، فإن الأمر لا يمكن اختزاله في خلاف مالي أو نزاع بين أطراف، بل يصبح قضية تمس الأمن الاقتصادي للدولة، وتفرض على الجميع التوقف أمام سؤال واحد: كيف نحمي اقتصادًا يسعى إلى جذب الاستثمارات إذا كانت القضايا المالية الضخمة تهدد الثقة في الأسواق؟
الإجراءات التي اتخذتها النيابة العامة بمنع رجل الأعمال محمد الخشن و22 من أفراد أسرته من التصرف في أموالهم تأتي في إطار التحقيقات الجارية، وهي إجراءات تحفظية لا تعني الإدانة، لكنها في الوقت ذاته تعكس حجم الملف وخطورته، وتؤكد أن العدالة لا تتعامل مع الأرقام الهائلة باعتبارها مجرد بيانات على الورق، وإنما باعتبارها حقوقًا مالية يجب حمايتها حتى يقول القضاء كلمته الأخيرة.
إن أخطر ما في القضايا الاقتصادية الكبرى أنها لا تقف عند حدود المتهمين أو الدائنين، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد بأكمله. فكل جنيه يتعطل، وكل أصل يدخل دائرة النزاع، وكل التزام مالي ضخم يصبح محل تحقيق، ينعكس بصورة مباشرة على الثقة في الأسواق، وعلى قدرة المؤسسات المالية على أداء دورها، وعلى مناخ الاستثمار الذي يعتمد قبل أي شيء على وضوح القواعد واحترام القانون.
ولا يجوز أن تتحول الثروة أو النفوذ أو المكانة الاقتصادية إلى حصانة غير معلنة. فالدولة التي تحترم نفسها هي التي تطبق القانون على الجميع، دون تفرقة بين صاحب شركة كبرى أو مواطن عادي. وإذا كانت هناك شبهات تستوجب التحقيق، فإن القانون يجب أن يأخذ مجراه الكامل، دون ضغوط أو استثناءات أو محاولات للتأثير على مسار العدالة.
لقد أثبتت التجارب أن الجرائم الاقتصادية ليست أقل خطورة من الجرائم التقليدية، لأنها قد تهدد استقرار المؤسسات، وتربك حركة الائتمان، وتؤثر في حقوق البنوك والمستثمرين والعاملين، بل وقد تمتد آثارها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني. ولهذا أصبحت مواجهة المخالفات المالية الكبرى جزءًا من منظومة حماية الأمن القومي الاقتصادي.
كما أن هذه القضية تفرض مراجعة جادة لآليات الرقابة وإدارة المخاطر داخل المؤسسات المالية. فالأزمات التي تتعلق بمليارات الجنيهات لا ينبغي أن تُترك حتى تتفاقم، بل يجب أن تُكتشف مبكرًا عبر أنظمة رقابية أكثر كفاءة وشفافية، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف ويمنع تضخم الخسائر.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يبقى مبدأ أصيل حاضرًا: الإجراءات التحفظية ليست حكمًا بالإدانة، وقرينة البراءة تظل حقًا دستوريًا لكل من يخضع للتحقيق حتى يصدر حكم قضائي نهائي. غير أن احترام هذا المبدأ لا يعني التهاون في حماية المال أو تعطيل الإجراءات القانونية، بل يقتضي السير في التحقيقات بحزم وسرعة وشفافية.
إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع واضحة: لن يكون المال الضخم جواز مرور فوق القانون، ولن تكون المكانة الاقتصادية درعًا ضد المساءلة. فاقتصاد قوي لا يُبنى بالأرقام وحدها، وإنما بسيادة القانون، والرقابة الفعالة، والمحاسبة العادلة.
إن مصر التي تعمل على تعزيز مناخ الاستثمار تحتاج، في الوقت ذاته، إلى ترسيخ مبدأ أن الاستثمار الحقيقي لا يعيش إلا في بيئة يحكمها القانون، وأن حماية الاقتصاد لا تكون بالمجاملات، بل بالشفافية، وبسرعة الفصل في القضايا الاقتصادية، واسترداد الحقوق إن ثبتت، وإنصاف الجميع وفق أحكام القضاء.
فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع الشعارات، بل التي تثبت بالأفعال أن هيبة القانون فوق كل اعتبار، وأن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن الجنائي، وأن العدالة عندما تتحرك لحماية الحقوق المالية، فإنها تحمي مستقبل وطن بأكمله، لا مجرد أرقام في ملفات التحقيقات.



