عاجلمقالات

عيد العبيدي يكتب: وعي المصريين.. خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات ودعوات الفوضى

عيد العبيدي مستشار القبائل العربية

في كل مرحلة تمر بها الدول، يظل وعي المواطنين أحد أهم عناصر حماية المجتمع من الاضطراب، خاصة في عصر أصبحت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ، وأصبح من السهل تداول الأخبار المضللة والمقاطع المجتزأة والادعاءات غير الموثقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتواجه مصر، شأنها شأن دول أخرى، موجات متباينة من الشائعات والدعوات التي تستهدف التأثير في الرأي العام وإثارة حالة من القلق أو فقدان الثقة. وفي هذا السياق، لا تبدو المواجهة الأمنية وحدها كافية، لأن جزءًا كبيرًا من المعركة أصبح يدور داخل الفضاء الإلكتروني، حيث تنتشر المعلومة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها.

أصبح المواطن شريكًا أساسيًا في مواجهة الأخبار الكاذبة، ليس من خلال الدخول في صدامات أو نشر الاتهامات، وإنما عبر التحقق من مصادر المعلومات وعدم إعادة تداول أي محتوى مجهول المصدر.

فالمشاركة غير الواعية في نشر منشور أو مقطع فيديو قد تمنح معلومة غير صحيحة انتشارًا واسعًا، بينما يمكن لتوقف المستخدم لحظات قبل المشاركة أن يحد من انتشار الشائعة ويحمي آخرين من الوقوع في فخ التضليل.

وهنا تظهر أهمية الثقافة الرقمية، التي لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة في مجتمع يعتمد بصورة متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار والمعلومات.

ومن المهم كذلك التمييز بين حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم المختلفة، وبين الدعوات التي قد تتضمن تحريضًا على العنف أو الاعتداء على الممتلكات أو الإخلال بالأمن العام.

فالمجتمع الصحي هو الذي يسمح بالنقاش والاختلاف في إطار القانون، ويواجه الأفكار بالأفكار، ويحتكم إلى المؤسسات والقواعد القانونية، بعيدًا عن العنف أو التخريب أو نشر المعلومات المضللة.

ولا يمكن حماية الاستقرار الحقيقي بمجرد إسكات الأصوات المختلفة، وإنما من خلال تعزيز الثقة في المعلومات الموثوقة، وإتاحة المجال للنقاش المسؤول، وتطبيق القانون بصورة عادلة على من يتجاوز حدوده.

تقع على مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام مسؤولية كبيرة في تقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام، والرد السريع على الشائعات، وشرح الحقائق بصورة واضحة، لأن غياب المعلومة الموثوقة يترك مساحة أكبر أمام مصادر مجهولة لاستغلالها.

وفي المقابل، تقع على المواطنين مسؤولية التعامل الواعي مع ما يصل إليهم من أخبار ومعلومات، وعدم تحويل مواقع التواصل إلى ساحة لإعادة نشر الاتهامات أو الأخبار غير المؤكدة.

كما تظل القوات المسلحة والشرطة ومؤسسات الدولة، كل في نطاق اختصاصه، جزءًا من منظومة حماية الأمن القومي والاستقرار، بينما يمثل احترام القانون والمؤسسات الدستورية أساسًا لأي مجتمع يسعى إلى تجاوز أزماته بصورة سلمية.

إن الحفاظ على استقرار مصر مسؤولية مشتركة، تبدأ من المواطن قبل أن تصل إلى مؤسسات الدولة. فمواجهة الفوضى لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بالوعي، واحترام القانون، والتحقق من المعلومات، ورفض العنف، والتمسك بحق المجتمع في الأمن والسلام.

وقد تختلف الآراء والمواقف السياسية، لكن ما يجمع المصريين يظل أكبر من أي خلاف عابر؛ فسلامة المجتمع وحماية مقدراته واستمرار مؤسساته مسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للمزايدة أو التخوين.

وفي النهاية، يبقى وعي المواطن هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعة، والفتنة، والتضليل. وكلما ارتفع مستوى الوعي، ضاقت المساحة أمام محاولات استغلال الخوف والغضب لإحداث الفوضى.

حفظ الله مصر وشعبها، وأدام عليها الأمن والاستقرار، وجعل وعي أبنائها دائمًا حائط الصد أمام كل ما يهدد سلام المجتمع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى