في الفضاء الرقمي، قد تبدأ الجريمة برابط يبدو عاديًا، ثم تتحول خلف الشاشة إلى شبكة عابرة للحدود، تجمع الزيارات والأرباح من الاعتداء على حقوق أصحاب المحتوى. لذلك فإن تكريم وزارة الداخلية المصرية في واشنطن بجائزة «الحامي المبدع» لعام 2026 يتجاوز مشهد تسلّم جائزة؛ إنه اعتراف بعملية أمنية واجهت شبكة قرصنة بهذا الحجم وأثبتت قدرة مصر على المشاركة في تفكيكها. وقد تسلّم العميد هاني صالح الجائزة نيابة عن الوزارة خلال حفل رابطة صناعة السينما الأمريكية.
اسم الشبكة هو «ستريم إيست». كانت تتيح مشاهدة مباريات رياضية مباشرة دون تصريح، وسجلت مواقعها، وفق تحالف الإبداع والترفيه، أكثر من 1.6 مليار زيارة خلال عام قبل إغلاقها بالتعاون مع السلطات المصرية في 2025. هذا الرقم ليس عدد مستخدمين أو قيمة أموال؛ لكنه يوضح اتساع نشاط الشبكة ومدى صعوبة ملاحقة عملية لا تقف عند عنوان إلكتروني واحد.
خلف الرابط.. تحقيق يتتبع الشبكة
تكشف هذه القضية معنى العمل الأمني في عصر الإنترنت. فإغلاق موقع واحد لا يكفي إذا كانت وراءه نطاقات أخرى ومشغلون قادرون على نقل النشاط خلال ساعات. المطلوب هو الوصول إلى القائمين على الشبكة، وجمع الأدلة التي تربطهم بها، ثم اتخاذ إجراءات تصمد أمام القضاء. وفي كلمته خلال التكريم، شرح رئيس رابطة صناعة السينما كيف طوّر تحالف الإبداع والترفيه المعلومات عن الشبكة، قبل أن تتولى وزارة الداخلية المصرية جانبًا حاسمًا من العملية، شمل ضبط أكثر من 120 نطاقًا إلكترونيًا.
وهنا تكمن قيمة الإنجاز المصري: تحويل معلومات عن نشاط عالمي متشعب إلى إجراء فعلي على الأرض وفي المجال الرقمي. فالمجرم قد يختبئ خلف الخوادم والأسماء المستعارة، لكن التحقيق المنظم يستطيع تتبع الصلة بين النشاط الإلكتروني ومن يديره.
حماية الإبداع جزء من حماية القانون
قد يستهين البعض بجرائم القرصنة لأنها تقع بعيدًا عن الشارع. لكن الاعتداء المنظم على حقوق البث والإنتاج يمس عمل مؤسسات وصنّاع محتوى واستثمارات قائمة على القانون. وحين تبلغ شبكة واحدة هذا الحجم من الانتشار، تصبح مواجهتها مسؤولية تتطلب خبرة تقنية وتعاونًا دوليًا، إلى جانب الإجراءات الأمنية والقضائية.
تكريم وزارة الداخلية المصرية هو إشادة بجهد محدد في مكافحة القرصنة الرقمية. ومن حقنا أن نفخر به كما هو، دون أن نحمّله ادعاءً بأن الجريمة الرقمية انتهت. فالاختبار الحقيقي يستمر مع كل شبكة جديدة تغيّر عناوينها وأساليبها، ومع كل تحقيق يحتاج إلى دليل دقيق وتنسيق يتجاوز الحدود.
لقد حملت واشنطن هذا العام رسالة واضحة: في قضية «ستريم إيست»، كان للعقل الأمني المصري دور مؤثر في إسقاط واحدة من أكبر شبكات البث الرياضي غير المشروع. و«الحامي المبدع» لقب يليق بجهد يعرف أن حماية الحقوق اليوم.



