لم تعد مهمة أجهزة الأمن في عصر مواقع التواصل الاجتماعي تقتصر على ملاحقة مجرم في شارع أو ضبط متهم داخل وكر؛ فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية، عنوانها: الوصول إلى الحقيقة قبل أن تتحول الشائعة إلى حكم، والفيديو المبتور إلى إدانة، والادعاء غير المدعوم إلى قضية رأي عام.
خلال فترة زمنية متقاربة، ظهرت أمام الرأي العام وقائع شديدة التنوع: سائحة أجنبية تتحدث عن مطالبتها بـ500 دولار، وقضايا اعتداء وعنف، وشاب قيل إنه تعرض للتقييد والضرب داخل مصحة على خلفية إدمان القمار الإلكتروني، وتشكيل متهم بالنصب تحت ستار «العلاج الروحاني»، وواقعة زوجية خرجت إلى مواقع التواصل، ثم قضية كاميرا مراقبة في مواجهة غرفة نوم مستأجرة بالتجمع الخامس.
قد تبدو هذه الملفات متباعدة، لكن يجمعها خيط واحد: بلاغ أو فيديو أو منشور يصل إلى الناس، ثم يبدأ الفحص والتحري، وبعدها تظهر التفاصيل التي قد تؤكد جزءًا من الرواية أو تكشف صورة مختلفة تمامًا.
500 دولار.. عندما يكون الرد بالمعلومة لا بالشائعة
من أخطر الوقائع على صورة الدولة تلك التي تتعلق بسائحة أجنبية، بعدما تداول مقطع يتضمن ادعاء بأن عناصر شرطة طلبت 500 دولار مقابل تنظيم جولة سياحية لها ولزوجها، فضلًا عن ادعاء آخر بطلب مبلغ مالي مقابل ختم جواز السفر.
لكن الفحص الأمني، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية ونقلته وسائل إعلام مصرية، انتهى إلى عدم صحة تلك الادعاءات؛ إذ تبين أن السائحة وزوجها تواصلا مع شركة سياحية للحصول على التصاريح اللازمة للجولة، وأن الشركة هي التي طلبت المقابل المالي لتنظيم الرحلة، كما تبين مغادرتهما البلاد في 6 مايو دون دفع مبالغ لأي جهة أو أشخاص.
وهنا تكمن أهمية سرعة الرد.
اتهام رجل شرطة بطلب أموال من سائحة ليس منشورًا عابرًا؛ إنه اتهام يمكن أن يمس صورة جهاز كامل وسمعة مقصد سياحي ودولة أمام ملايين المتابعين. وفي المقابل، الرد الحقيقي لا يكون بالغضب، وإنما بالفحص والتوقيتات والوقائع والمستندات.
هذه هي المعركة الجديدة: لا تترك الشائعة تسافر حول العالم بينما الحقيقة ما زالت تبحث عن طريقها إلى الجمهور.
العنف ليس «خلافًا عائليًا»
وفي ملفات أخرى، تكشف مقاطع الفيديو المتداولة جانبًا مختلفًا وأكثر قسوة؛ الاعتداء الجسدي والإهانة وتحويل الخلافات الشخصية أو الزوجية إلى مشاهد عنف يتم تصويرها أو تداولها على مواقع التواصل.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا توجد علاقة زوجية تمنح طرفًا حق الاعتداء على الآخر، ولا توجد خلافات أسرية تبرر التشهير أو المساس بالشرف والسمعة، ولا ينبغي أن يتحول الهاتف المحمول إلى أداة للإذلال والابتزاز.
الأخطر أن بعض مرتكبي هذه الأفعال يتصورون أن تصوير ما يفعلونه يمثل «دليل قوة»، بينما قد يتحول الفيديو نفسه إلى دليل يفحصه رجال المباحث وجهات التحقيق.
إن الخلاف الأسري له أبواب قانونية، أما الضرب والتهديد والتشهير والاعتداء فمسار آخر تمامًا تحدد مسؤوليته جهات التحقيق والقضاء.
القمار الإلكتروني.. والعلاج لا يكون بالتعذيب
وفي البدرشين، وصلت قضية شاب يبلغ من العمر 27 عامًا إلى محكمة الجنح، حيث نُسب إلى أربعة أشخاص، وفق التحريات المنشورة، التنمر والضرب وتقييد حريته أثناء احتجازه بإحدى المصحات. وتشير التحقيقات المنشورة إلى أن أسرته كانت قد أودعته للعلاج بعدما ارتبطت مشكلته بالقمار الإلكتروني وما ترتب عليه من أعباء مالية.
وهنا لا بد من الفصل بين أمرين.
إدمان القمار الإلكتروني مشكلة حقيقية ومدمرة، وقد يلتهم أموال الإنسان وأسرته ومستقبله، لكن العلاج لا يمكن أن يتحول إلى إذلال أو ضرب أو تقييد خارج حدود القانون.
المصحة، أي مصحة، يفترض أن تكون مكانًا للعلاج والتأهيل، لا مساحة مغلقة يشعر داخلها البعض أنهم فوق الرقابة والمساءلة.
«العلاج الروحاني».. حين يتحول الوهم إلى تجارة
أما في أسيوط، فنحن أمام نموذج مختلف من الجرائم التي تستغل ضعف الإنسان وخوفه وحاجته.
فقد أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط تشكيل من ستة أشخاص، قالت التحريات إنه تخصص في النصب والاحتيال على المواطنين والاستيلاء على أموالهم بزعم القدرة على «العلاج الروحاني» وممارسة الدجل والشعوذة، مع الترويج للنشاط عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وضُبطت بحوزتهم، وفق البيانات المنشورة، 7 هواتف محمولة وجهاز لاب توب و14 شريحة هاتف و10 بطاقات دفع إلكتروني، وأشارت المصادر إلى إقرار المتهمين بالنشاط المنسوب إليهم بغرض تحقيق أرباح وزيادة المشاهدات.
القضية هنا أكبر من ستة متهمين.
إنها تكشف تطور الدجل نفسه.
الدجال القديم كان ينتظر ضحيته في غرفة مغلقة؛ أما دجال العصر الرقمي فيستطيع الوصول إلى آلاف الأشخاص عبر صفحة أو إعلان أو فيديو، ثم يستخدم الهاتف ووسائل الدفع الحديثة لتحويل الخرافة إلى مشروع للنصب الإلكتروني.
ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد أمنية فقط، وإنما توعوية ورقمية أيضًا.
كاميرا أمام غرفة النوم.. الخصوصية خط أحمر
ومن أكثر الملفات حساسية واقعة التجمع الخامس.
بحسب ما أعلنته الأجهزة الأمنية، تقدمت سيدة في 31 مارس ببلاغ ضد مهندس، متضررة من وضع كاميرا مراقبة في مواجهة غرفة النوم التي تستأجرها داخل فيلا مملوكة لوالدته. وتم ضبط المشكو في حقه واتخاذ الإجراءات القانونية، ثم صدر حكم بحبسه شهرًا، وأقام معارضة استئنافية على الحكم.
وكشف الفحص أيضًا تفصيلًا مهمًا: الشاكية قالت إنها لم تتلق تهديدًا مباشرًا من المشكو في حقه، لكنها تحدثت عن اتصال من شخص مجهول عرض التوسط لإنهاء الشكوى والتنازل عن البلاغ مقابل مبلغ مالي، وهو ما رفضته.
وهذه الدقة ضرورية؛ لأن الصحافة الجادة لا تضخم الواقعة، وإنما تضع كل تفصيلة في مكانها الصحيح.
والرسالة الأهم أن الخصوصية داخل المسكن ليست ترفًا. غرفة النوم هي واحدة من أكثر المساحات خصوصية في حياة الإنسان، وأي ادعاء بشأن توجيه كاميرا إليها يستوجب فحصًا جادًا وحاسمًا وفق القانون.
السوشيال ميديا ليست محكمة
ما أراه في هذه الوقائع جميعًا أن وزارة الداخلية أصبحت أمام نوعين من الجرائم في الوقت نفسه: الجريمة التي تقع على الأرض، والجريمة أو الادعاء الذي ينتشر على الشاشة.
وهنا تبرز قيمة الفحص السريع.
فليس كل فيديو متداول حقيقة كاملة، وليس كل صاحب منشور مدانًا بالكذب، وليس كل شخص يظهر في فيديو مجرمًا بحكم الجمهور.
هناك جهة تحقق، وأدلة تُفحص، وأقوال تُسمع، ونيابة عامة، ثم قضاء يقول كلمته.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستبدل دولة القانون بـ«محكمة السوشيال ميديا».
الأمن الحديث.. سرعة في الضبط ودقة في كشف الحقيقة
نجاح المؤسسة الأمنية اليوم لا يقاس فقط بعدد المتهمين الذين يتم ضبطهم، وإنما أيضًا بسرعة الاستجابة للبلاغ، وكفاءة فحص الفيديو، وتتبع الحسابات الإلكترونية، وتحليل الهواتف والأجهزة الرقمية، ومواجهة الادعاء بالمعلومة، وإحالة الوقائع إلى جهات التحقيق المختصة.
من أسيوط إلى القاهرة، ومن الإسكندرية إلى الجيزة، تختلف الجرائم، لكن القاعدة يجب ألا تتغير:
لا أحد فوق القانون، ولا اتهام فوق الفحص، ولا فيديو فوق التحقيق، ولا شائعة ينبغي أن تُترك بلا حقيقة.
إن كانت هناك جريمة، فليتحمل مرتكبها المسؤولية التي يقررها القانون.
وإن كان هناك ادعاء كاذب يمس مؤسسة أو شخصًا، فلتظهر الحقيقة بالأدلة.
وإن كان هناك ضحية، فحقها أن تجد دولة تتحرك وتحميها.
هذه هي المعادلة التي يحتاجها المجتمع: أمن يطارد الجريمة، وقانون يحمي الحقوق، وتحقيق يفصل بين الحقيقة والادعاء.. قبل أن تتحول شاشة الهاتف إلى قاضٍ وجلاد في الوقت نفسه.



