
إنّ أزمة المجتمعات المعاصرة وتراجع منظومتها السلوكية لا تنفصل بحال عن أزمتين رئيسيتين: ضعف الإيمان وغياب الخوف من الله، وموت الضمير الإنساني الرادع. فعندما يهوي هذان الحصنان، تسقط القيم والمبادئ متتابعة كأحجار الدومينو، ويصبح المجتمع مرشحًا للانزلاق نحو الفوضى والتفكك.
أولًا: غياب الوازع الديني ورابطه بالتفسخ الأخلاقي
الوازع الديني هو الضابط الداخلي والموجّه الأساسي لسلوك الإنسان؛ فهو الذي يحدد معايير الحلال والحرام، والمقبول والمرفوض. وحين يضعف هذا الوازع أو يغيب، تحدث عدة مظاهر للتفسخ الأخلاقي:
انعدام المراقبة الذاتية: يمتنع الإنسان الذاتي الخائف من الله عن الرذيلة ولو كان بعيدًا عن أعين القانون والناس، بينما يتجرأ فاقد الوازع على المعاصي بمجرد غياب الرقابة البشرية.
انتشار سوء التربية: يبدأ التفكك من الأسرة؛ فعندما يغيب الدين عن منهج التربية، يُنشأ الأبناء على المادية الفردية، ويغيب عنهم الاحترام والبر وإعلاء المبادئ السامية.
انحلال الحياء والتفكك الأسرى: يترتب على ضعف الإيمان الاستهانة بالحدود الشرعية، مما يفتح الباب لانتهاك الأعراض وشيوع العلاقات المحرمة وتفكك الروابط الأسرية.
ثانيًا: غياب الضمير وتفشي الجرائم والبلطجة
الضمير هو “القاضي الداخلي” الذي يعاقب صاحبه بالندم والتحسّر قبل أن تطاله العقوبات القانونية. وموت هذا الضمير يُنتج مجتمعًا يفتقد للأمان، حيث تسود عدة مظاهر إجرامية:
انتشار البلطجة والقتل: عندما يتجرد الإنسان من الضمير، يقل عنده قيمة حفظ النفس التي عظّمتها جميع الشرائع، فيصبح زهق الأرواح وممارسة العنف والبلطجة أمورًا مستهانًا بها للحصول على مكاسب مادية أو فرض الهيمنة.
جرائم الخطف وانتهاك الأعراض: غياب الرادع الأخلاقي يفرغ السلوك الإنساني من الرحمة والمروءة، فيتجرأ المجرمون على الاعتداء على الضعفاء، والاعتداء على الحرمات، واختطاف الأبرياء للمساومة أو الابتزاز.
توسع دائرة السرقات وتجارة المخدرات: موت الضمير يبيح للمرء كسب المال بأي طريقة، فينتشر داء السرقة، وتتوسع تجارة سموم المخدرات التي تفتك بعقول الشباب وتدمر الأسر دون أدنى شعور بالذنب.
ثالثًا: سبل المواجهة والتعافي
إن علاج هذا الواقع يستلزم تكاتف جميع مؤسسات المجتمع لبناء الفرد والمجتمع من جديد عبر خطوات متكاملة:
إحياء الوازع الديني: تعزيز الخطاب الديني التوعوي الذي يركز على معاملة الخالق ومراقبته، وتغليب روح الدين وقيمه على مجرد الشكل والمظاهر.
تفعيل دور الأسرة والمدرسة: بناء مناهج تربوية تركز على بناء الضمير، وغرس قيم النزاهة والشهامة، وتربية الأجيال على احترام حقوق الآخرين.
سيادة القانون وحزم العقوبات: إلى جانب الوعظ والتربية، لا بد من وجود رادع سلطوي زاجر، فالقانون الصارم يمنع مَن مات ضمبره من الإضرار بغيره، وصدق القائل: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.
إن سلاحة أي مجتمع وأمنه لا يتقرران فقط بمدى تطوره المادي أو التكنولوجي، بل بمدى تمسكه بآدابه وأخلاقه؛ فالأخلاق هي الدرع الحصين، والدين والضمير هما الركيزتان اللتان بدونِهما تتهاوى كل مقومات الحياة الكريمة. حفظ الله مصر شعبها ورئيسها وجيشها وشرطتها ومؤسساتها وقياداتها السياسية الحكيمة من كل سوء ومكروه عاشت مصر حره وتحيا مصر.







