لم يعد الأمر مجرد تجمع أو حالة عابرة تصنعها مواقع التواصل، بل أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف والمواجهة: كيف يتحول المواطن إلى طُعم لصناعة الزحام، والزحام إلى وسيلة لصناعة التريند؟
هذه هي القضية الحقيقية.
ففي زمن أصبحت فيه المشاهدات عملة، والتفاعل قيمة، والانتشار هدفًا، بات من السهل صناعة حالة مصطنعة حول أي مكان أو شخص أو حدث. يبدأ الأمر بفيديو أو منشور مثير، ثم تتسع دائرة الفضول، ويتجمع الناس، وتبدأ الهواتف في التصوير، وفجأة يصبح المشهد حديث الجميع.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
الجمهور ليس أداة دعاية مجانية لأحد.
المواطن ليس رقمًا يضاف إلى قائمة المشاهدات، وليس من الطبيعي أن يتحول تجمع الناس إلى شهادة نجاح لأي تجربة لمجرد أن الشوارع امتلأت.
الزحام ليس نجاحًا
أخطر ما في الظاهرة أن البعض بدأ يقيس النجاح بعدد المتجمعين، وليس بما يقدم.
وهذه كارثة في مفهوم الشهرة.
فليس كل ما يحقق مشاهدات يستحق الاحترام، وليس كل ما يصنع زحامًا يمثل نجاحًا، وليس كل ما يتصدر مواقع التواصل يستحق أن يتحول إلى ظاهرة.
أحيانًا يكون سر الانتشار ببساطة هو الفضول.
يرى شخص فيديو، فيذهب ليرى ما يحدث، ثم يصور بدوره، فيراه آخرون ويذهبون أيضًا، وهكذا تتحول الدائرة إلى ماكينة ضخمة لصناعة الانتشار.
زحام يصنع زحامًا.. ومشاهدات تصنع مشاهدات.
«التريند» لا يبرر الفوضى
يجب أن تكون الرسالة حاسمة: الشهرة ليست تصريحًا بتجاوز القانون، وكثرة الجمهور ليست غطاءً لأي مخالفة.
إذا ثبت وجود تجاوزات أو تعريض للمواطنين للخطر أو إخلال بالنظام العام، فهنا يجب أن يكون التعامل حاسمًا وفق القانون، أيا كان حجم الشهرة أو عدد المتابعين.
لا أحد فوق القانون، ولا مكان لفكرة أن «طالما الناس متجمعة يبقى الأمر ناجحًا ومقبولًا».
الدولة تحمي حق المواطن في الترفيه، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بحماية الأمن والسلامة والنظام العام.
المشكلة أكبر من «قاع الهامور»
القضية ليست اسمًا بعينه، وإنما ثقافة بدأت تنتشر:
اعمل ضجة.. يأتي الناس.
يأتي الناس.. تبدأ المشاهدات.
تزيد المشاهدات.. تصبح مشهورًا.
وهذه الثقافة تحتاج إلى مراجعة حقيقية.
لأن المجتمع الذي يجعل المشاهدة معيارًا للقيمة، قد يمنح الشهرة لأشياء لا تستحقها، بينما يتجاهل أصحاب العلم والعمل والإبداع الحقيقي.
آن الأوان أن نتوقف عن صناعة الشهرة من الزحام.
المواطن ليس طُعمًا، والشارع ليس مسرحًا مفتوحًا لصناعة التريند، والمشاهدات ليست رخصة لتجاوز القانون.
من يريد النجاح فليقدمه بالمحتوى الحقيقي، ومن يريد الشهرة فليستحقها، ومن يريد الجمهور فليحترم عقل الجمهور.
أما استغلال الفضول الجماهيري لصناعة ضجة مؤقتة، فهذه ليست بطولة ولا نجاحًا.
إنها مجرد صناعة للزحام.. على حساب وعي الناس.



