لم تعد الشائعة مجرد أكذوبة عابرة تُكتب على شاشة هاتف ثم تختفي، بل تحولت إلى سلاح ناعم يمكن استخدامه لضرب الثقة، وإرباك المجتمع، واستنزاف مؤسسات الدولة، وصناعة حالة من الخوف والغضب.
وعندما نتحدث عن جماعة الإخوان المسلمين، فإن الحديث هنا يجب أن يكون عن ممارسات وخطابات محددة يمكن إثباتها وتوثيقها، لا عن اتهام مفتوح لكل فرد أو كل محتوى. لكن التاريخ القريب يؤكد أن الجماعة وأنصارها ومنصات محسوبة عليها استخدموا الإعلام والدعاية والتحريض الإلكتروني كأدوات للصراع السياسي ومحاولة التأثير في الرأي العام.
المشكلة ليست في أن تكون هناك معارضة أو انتقادات.. المشكلة عندما تتحول المعلومة الكاذبة إلى أداة متعمدة لهدم الثقة.
فما الذي يحدث؟
خبر بلا مصدر..
صورة قديمة يعاد نشرها باعتبارها حدثًا جديدًا..
فيديو خارج سياقه..
عنوان مصمم لإثارة الذعر..
ثم آلاف المشاركات والتعليقات التي تمنح الكذبة حياة جديدة.
وهنا تصبح الشائعة أخطر من مجرد خبر كاذب؛ لأنها تستهدف العقل الجمعي للمجتمع.
والأكثر خطورة أن بعض حملات التضليل لا تبحث عن إقناع المواطن برواية واحدة بقدر ما تسعى إلى تحقيق هدف أكثر خطورة: إقناعه بأن الحقيقة نفسها لم تعد موجودة.
وهذه أخطر مراحل الفوضى؛ عندما يفقد المواطن ثقته في كل معلومة، وكل مؤسسة، وكل بيان، وكل وسيلة إعلام.
الشائعة لا تسقط دولة.. لكنها تحاول إنهاك المجتمع
الدولة القوية لا تهتز بمنشور مجهول أو فيديو مفبرك، لكن المجتمع يمكن أن يدفع ثمنًا باهظًا إذا ترك مساحة مفتوحة أمام الأكاذيب.
ولهذا فإن التعامل مع الشائعات يجب ألا يكون باستخفاف.
فكل معلومة كاذبة تستهدف الأمن أو الاقتصاد أو مؤسسات الدولة أو حياة المواطنين تستحق التحقق والرد القانوني والإعلامي وفقًا للقواعد المنظمة، خصوصًا عندما تتحول إلى تحريض أو تهديد أو نشر متعمد لمعلومات مضللة.
وفي المقابل، يجب على المؤسسات الرسمية أن تدرك أن الصمت الطويل أمام الشائعة قد يمنحها عمرًا أطول من اللازم.
المعلومة الدقيقة والسريعة ليست رفاهية إعلامية، بل جزء من حماية الأمن المجتمعي.
أخطر سلاح هو المواطن الذي يعيد النشر
الحقيقة المؤلمة أن مروّج الشائعة لا يعمل وحده.
هناك من يصنعها، وهناك من يروّجها، وهناك من يعيد نشرها دون أن يعرف مصدرها، وهناك من يصدقها لأنها توافق موقفه أو غضبه.
وهنا تقع المسؤولية على الجميع.
ليس كل ما يتصدر مواقع التواصل حقيقة، وليس كل مقطع مصور دليلًا كاملًا، وليس كل حساب يحمل اسمًا أو شعارًا جهة رسمية.
المواطن الواعي هو أول جهاز إنذار ضد التضليل.
قبل أن تضغط “مشاركة”، اسأل: من قال؟ أين المصدر؟ متى وقع الحدث؟ هل توجد جهة رسمية أو وسائل إعلام موثوقة تؤكده؟ وهل الصورة أصلًا تخص الواقعة؟
هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تقتل الشائعة قبل أن تتحول إلى أزمة.
لا بد من إعلام يواجه.. لا إعلام يلهث خلف الترند
المواجهة الحقيقية تحتاج إلى إعلام مهني لا يطارد العناوين المثيرة، ولا يمنح الأكاذيب انتشارًا مجانيًا.
المطلوب صحافة تحقق وتوثق وتواجه، وفي الوقت نفسه تفرق بوضوح بين الرأي والخبر والادعاء.
أما التعامل مع كل منشور باعتباره خبرًا، فذلك يعني منح مروجي التضليل المنصة التي يبحثون عنها.
الخلاصة
المعركة الحقيقية ليست مع حساب إلكتروني، ولا مع شائعة واحدة، وإنما مع محاولات مستمرة لتشويش وعي المواطن وإغراقه في بحر من المعلومات المتضاربة.
ومن هنا يجب أن تكون المواجهة أكثر حسمًا:
تحقق سريع، معلومات رسمية واضحة، إعلام مهني، ومواطن يرفض أن يكون أداة في ماكينة الشائعات.
أما من يتعمد اختلاق الأكاذيب بهدف إثارة الفوضى أو التحريض أو الإضرار بالمجتمع، فيجب أن يواجه المساءلة وفقًا للقانون، دون تهويل ودون تهاون.
فالاختلاف السياسي حق، والنقد حق، وحرية التعبير لها أطرها القانونية، لكن صناعة الأكاذيب وترويجها عمدًا ليست رأيًا.. والتلاعب بوعي الناس ليس معارضة.. وتحويل الشائعة إلى وقود للفوضى ليس عملًا إعلاميًا.
وفي زمن أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على نشر الأكذوبة إلى ملايين الأشخاص، أصبح الدفاع عن الحقيقة مسؤولية وطنية ومهنية وأخلاقية.
فالمجتمع الذي يحمي وعيه.. يحمي استقراره.



