عاجلمقالات

علي محمدين يكتب: الصكوك الضريبية.. بين إنقاذ السيولة وترحيل أعباء المستقبل

أثار طرح فكرة إصدار الصكوك الضريبية جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، بعدما أعلنت الحكومة الموافقة على مقترح يتيح للشركات والممولين تمويل الدولة مقدمًا مقابل تسوية التزاماتهم الضريبية المستقبلية.

 

وبينما يرى مؤيدون أن الأداة قد تمثل وسيلة مبتكرة لتوفير سيولة عاجلة للدولة وخفض تكلفة الاقتراض، يرى منتقدون أنها قد تكون مجرد وسيلة لتأجيل الضغوط المالية وترحيل أعباء اليوم إلى السنوات المقبلة.

 

وبين الرأيين، يبقى الحكم النهائي مرتبطًا بتفاصيل التطبيق، وآليات التسعير، وحجم المشاركة، ومدى قدرة الأداة على تحقيق وفر حقيقي في تكلفة التمويل دون التأثير على الإيرادات المستقبلية.

 

الصكوك الضريبية.. كيف تعمل؟

 

تقوم الفكرة الأساسية للصكوك الضريبية على حصول الدولة على أموال من الشركات والممولين في الوقت الحالي، مقابل منحهم حقًا ماليًا يمكن استخدامه مستقبلًا في تسوية التزاماتهم الضريبية.

 

ويرى مؤيدو الفكرة أن الدولة في حاجة إلى أدوات متنوعة لإدارة السيولة، وأن الصك الضريبي قد يكون أقل تكلفة من بعض أدوات الدين التقليدية، مثل أذون وسندات الخزانة، إذا تم تصميمه وتسعيره بشكل مناسب.

 

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن القضية ليست في استخدام موارد المستقبل، فالدول تلجأ دائمًا إلى الاقتراض من خلال أدوات تستند إلى الإيرادات المستقبلية، وإنما في تكلفة الحصول على التمويل ومدى قدرتها على تحقيق وفر للخزانة العامة.

 

ليست بديلًا كاملًا لأدوات الدين

 

يرى عدد من الخبراء أن الصكوك الضريبية لا يمكن اعتبارها بديلًا كاملًا لأذون الخزانة أو أدوات الاقتراض الحكومية، لكنها أداة إضافية ضمن منظومة إدارة التمويل والسيولة.

 

فالنجاح الحقيقي لها يتوقف على قدرتها على جذب أصحاب السيولة، مع الحفاظ على تكلفة أقل بالنسبة للدولة مقارنة بالبدائل المتاحة.

 

ويظل السؤال الأهم: هل ستنجح هذه الأداة في تقديم تمويل منخفض التكلفة؟ أم ستتحول إلى عبء جديد على الموازنة العامة في السنوات المقبلة؟

 

تجربة لها جذور تاريخية.. لكن المقارنة تحتاج إلى دقة

 

ارتبط الحديث عن الصكوك الضريبية بتجارب تاريخية مثل نظام “المقابلة” في عهد الخديوي إسماعيل، والذي كان يقوم على دفع مبالغ مالية مقدمًا مقابل تخفيض أعباء ضريبية مستقبلية.

 

ورغم وجود تشابه في فكرة تحويل جزء من التدفقات الضريبية المستقبلية إلى سيولة حاضرة، فإن الفارق كبير بين التجربتين من حيث التصميم المالي والظروف الاقتصادية وطبيعة الأداة.

 

كما توجد تجارب دولية استخدمت آليات قريبة، مثل المقاصة بين مستحقات الدولة والتزامات الشركات أو شهادات وائتمانات ضريبية، إلا أن تطبيق أي تجربة يظل مرتبطًا بظروف كل اقتصاد.

 

محمد فؤاد: الحكم على التجربة قبل إعلان التفاصيل سابق لأوانه

 

أكد النائب محمد فؤاد أن الصكوك الضريبية تقوم على فكرة اقتصادية بسيطة، تتمثل في حصول الدولة على سيولة حالية مقابل منح الممولين حقًا ماليًا يستخدم مستقبلًا في تسوية الضرائب.

 

وأوضح أن السؤال الأساسي ليس حول استخدام الدولة لإيرادات المستقبل، لأن ذلك يحدث بالفعل من خلال أدوات الاقتراض المختلفة، وإنما حول تكلفة هذا التمويل مقارنة بالبدائل الأخرى.

 

وأشار إلى أن نجاح الأداة يتطلب تسعيرًا مناسبًا وشفافية كاملة بشأن آجال الصكوك، وطريقة احتساب العائد، وكيفية استخدامها في سداد الضرائب.

 

وشدد على أن الحكم عليها سواء بالنجاح أو الفشل قبل معرفة التفاصيل الكاملة سيكون سابقًا لأوانه.

 

الصكوك الضريبية ليست حلًا لأزمة الدين

 

وأوضح فؤاد أن حجم الاحتياجات التمويلية للدولة يجعل من غير الواقعي اعتبار الصكوك الضريبية حلًا جذريًا لأزمة الدين.

 

وأكد أنها قد تحقق وفرًا في تكلفة التمويل أو توسع قاعدة الأدوات المالية، لكنها لن تكون بديلًا عن إصلاح هيكل الدين، وزيادة الإيرادات المستدامة، وتحقيق معدلات نمو أعلى.

 

وأضاف أن إدارة المالية العامة تعتمد على تجميع العديد من التحسينات الصغيرة التي تؤدي في النهاية إلى خفض التكلفة وتحسين إدارة السيولة.

 

عادل عامر: الأداة قد تكون تسكينًا مؤقتًا وترحيلًا للأزمات

 

على الجانب الآخر، يرى الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، أن الصكوك الضريبية تعكس أزمة في تدبير السيولة أكثر من كونها حلًا اقتصاديًا طويل الأجل.

 

وأوضح أن الاعتماد على هذه الأداة قد يؤدي إلى استهلاك جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية قبل موعد تحصيلها، وهو ما قد يخلق ضغوطًا على الموازنة في السنوات المقبلة.

 

وأشار إلى أن الصكوك قد توفر سيولة عاجلة لكنها لا تعالج المشكلات الهيكلية، وإنما تؤجل التعامل معها إلى المستقبل.

 

مخاوف من استفادة الشركات الكبرى فقط

 

وأشار عامر إلى أن الاستفادة من الصكوك الضريبية قد تقتصر على الشركات الكبرى التي تمتلك فوائض مالية، بينما قد تجد المشروعات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في المشاركة بسبب محدودية السيولة.

 

وأكد أن العدالة الضريبية تتطلب توسيع قاعدة الممولين ودمج الاقتصاد غير الرسمي، بدلًا من الاعتماد على أدوات مالية قد يستفيد منها عدد محدود من الكيانات.

 

محمود سامي الإمام: كل الطرق قد تؤدي إلى فشل الصكوك الضريبية

 

اعتبر النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وعضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن طرح الصكوك الضريبية يعكس وجود أزمة في توفير الموارد.

 

وقال إن الأداة قد تعطي انطباعًا بوجود صعوبات في زيادة الحصيلة، خاصة إذا كانت تستهدف الحصول على ضرائب السنوات المقبلة مقدمًا.

 

وأضاف أن الشركات التي تمتلك فوائض مالية قد تفضل أدوات أخرى أكثر سيولة وأقل مخاطرة، مثل أدوات الدين التقليدية، ما قد يضعف الإقبال على الصكوك.

 

خفض الدين يحتاج إلى إصلاحات حقيقية

 

يرى الإمام أن الحلول المستدامة لا تتمثل في ابتكار أدوات تمويل جديدة فقط، وإنما في دعم الاقتصاد الحقيقي وزيادة الإنتاج والاستثمار.

 

وأكد ضرورة توسيع النشاط الصناعي والزراعي، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، لأن زيادة حجم الاقتصاد تعني زيادة الحصيلة الضريبية بصورة طبيعية.

 

وأشار إلى أن الاعتماد الكبير على النشاط العقاري لا يمثل حلًا مستدامًا، مطالبًا بتوجيه أكبر نحو القطاعات الإنتاجية.

 

بين مؤيد ومعارض.. يبقى الاختبار في التطبيق

 

في النهاية، تظل الصكوك الضريبية أداة مالية تحمل فرصًا ومخاطر في الوقت نفسه.

 

فنجاحها لن يتحدد بالشعارات المؤيدة أو الرافضة، وإنما بمدى وضوح قواعدها، وشفافية تكلفتها، وقدرتها على تحقيق وفر حقيقي للدولة دون الضغط على الإيرادات المستقبلية.

 

وبين من يراها خطوة نحو تنويع أدوات التمويل، ومن يعتبرها مجرد تأجيل للأزمات، يبقى الحكم النهائي مرهونًا بالأرقام ونتائج التطبيق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى