عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: 16 طعنة ومقبرة سرية لعامين: عندما يتحول الدم إلى لغة داخل الأسرة

هناك جرائم لا يجوز أن تمر على صفحات الحوادث باعتبارها مجرد وقائع جنائية جديدة. هناك جرائم تصفع المجتمع في وجهه وتفرض عليه أن يتوقف ويسأل: إلى أين وصلنا عندما يصبح الأب هدفًا لطعنات ابنه، وتتحول غرفة نوم إلى مكان لإخفاء جثمان أم لعامين؟

واقعة مقتل أب بعد 16 طعنة، وواقعة إخفاء جثمان أم داخل غرفة النوم لمدة عامين ــ وفق ما أعلنته أو تداولته التقارير بشأن القضيتين ــ ليستا مجرد قصتين منفصلتين؛ إنهما إنذار قاسٍ بشأن خطورة العنف عندما يبدأ داخل الأسرة ولا يجد من يوقفه.

16 طعنة.. هنا لا مكان لعبارة «خلاف عائلي»

الخلافات تقع داخل كل البيوت.

لكن الخلاف لا يعطي أحدًا الحق في الاعتداء، والغضب ليس رخصة للقتل، والأسرة ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

إذا ثبتت الواقعة أمام القضاء، فإن رقم 16 طعنة وحده يفرض على جهات التحقيق أن تبحث بلا تهاون في كل ما سبق الجريمة: الخلافات، التهديدات، الاعتداءات السابقة، الدافع، لحظة الانفجار، وكل من كانت لديه معلومات يمكن أن تساعد في كشف الحقيقة.

السؤال ليس فقط: من ارتكب الجريمة؟

السؤال الأهم: كيف وصل الأمر إلى هذه النهاية؟

وجثمان لعامين.. السؤال الذي لا يجوز دفنه

أما الواقعة الأخرى، فإذا ثبتت تفاصيلها كما وردت في التقارير، فهي تفتح ملفًا أكثر تعقيدًا.

كيف يمكن لجثمان إنسان أن يبقى مخفيًا داخل منزل لمدة عامين؟

من كان يعلم؟

من كان يشك؟

هل كانت هناك بلاغات أو اختفاءات أو أسئلة لم تجد إجابة؟

وهل توجد حلقات في القصة لم تُكشف بعد؟

هذه الأسئلة يجب أن تُجاب عنها من خلال التحقيقات والأدلة، لا من خلال الشائعات أو روايات مواقع التواصل.

التحقيق الجاد لا يبحث عن عنوان مثير فقط؛ بل يبحث عن الحقيقة كاملة.

لا تستر على العنف عندما يتحول إلى خطر

أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع هو أن يدفن العنف تحت عبارة «مشاكل أسرية».

لا.

عندما يتحول الخلاف إلى تهديد، أو اعتداء، أو خوف حقيقي على حياة أحد أفراد الأسرة، فإن الصمت لم يعد حكمة.

الصمت في مواجهة الخطر قد يمنح الجريمة فرصة جديدة.

وإذا كانت هناك شكاوى أو استغاثات سابقة في أي من الوقائع، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: هل تم التعامل معها بالجدية الكافية؟ وهل كان بالإمكان منع الكارثة؟

هذه أمور لا تُحسم إلا بالتحقيق الرسمي، لكنها أسئلة مشروعة يجب ألا نخاف من طرحها.

المتهم متهم.. والقضاء صاحب الكلمة

وفي خضم الغضب الذي تثيره مثل هذه الجرائم، يجب ألا ننسى قاعدة أساسية: الاتهام ليس إدانة، والمتهم تظل له قرينة البراءة حتى يصدر حكم قضائي نهائي.

لكن في الوقت نفسه، فإن حق الضحايا في العدالة لا يقل أهمية.

المطلوب تحقيقات حاسمة تكشف الحقيقة، وفحص الأدلة والقرائن، وسماع الشهود، وتحديد الدافع والملابسات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.

لا انتقام.

ولا تشهير.

ولا أحكام مسبقة.

فقط حقيقة وعدالة وقانون.

هذه ليست مجرد جرائم أسرية

ما تكشفه هذه الوقائع أخطر من عنوان في صفحة الحوادث.

إنها رسالة تقول إن العنف عندما يُستهان به قد يتدرج من مشادة إلى تهديد، ومن تهديد إلى اعتداء، ومن اعتداء إلى جريمة لا يمكن إصلاح آثارها.

لذلك يجب أن تتغير ثقافة التعامل مع العنف داخل المنازل.

لا تنتظروا الدم.

لا تنتظروا الجثمان.

لا تنتظروا أن تصبح الكارثة خبرًا على صفحات الجرائد.

أي تهديد حقيقي يجب أن يؤخذ بجدية، وأي اعتداء يجب أن يواجه بالقانون، وأي مؤشر خطر يجب ألا يُدفن تحت شعار «دي مشاكل عائلية».

وفي النهاية، فإن أكثر ما يدعو للرعب ليس فقط 16 طعنة ولا جثمانًا قيل إنه ظل مخفيًا لعامين.

الرعب الحقيقي هو أن يتحول المكان الذي يفترض أن يمنح الإنسان الأمان إلى المكان الذي يخشى فيه أقرب الناس إليه.

البيت يجب أن يكون خط الدفاع الأول عن الحياة.. لا آخر محطة قبل الجريمة.

وهذه المرة، يجب ألا نكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟

بل يجب أن نسأل بكل صراحة:

ما الذي سبق الجريمة؟ ومن رأى علامات الخطر؟ وهل كان يمكن إنقاذ الضحايا قبل فوات الأوان؟

لأن مواجهة الجريمة لا تبدأ بعد سقوط الضحية فقط..

بل تبدأ عندما تظهر أول علامة تقول إن الدم قد يكون على وشك أن يصبح لغة داخل البيت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى