عاجلمقالات

بيتر حشمت بكتب: الساحل الشمالي.. عندما يتحول الصيف إلى مزاد للأثرياء!

في كل صيف، تتجه الأنظار إلى الساحل الشمالي، ليس فقط بسبب البحر أو السياحة، بل بسبب أرقام باتت تثير الدهشة. أسعار إيجارات تتجاوز قدرة أغلب الأسر، حفلات زفاف بملايين الجنيهات، وإنفاق استهلاكي يطرح تساؤلات حقيقية حول الفجوة بين الواقع وما يُعرض على منصات التواصل الاجتماعي.

تحولت بعض المناطق إلى واجهة للاستعراض أكثر منها مكانًا للراحة والاستجمام. فكل شيء يبدو وكأنه يخضع لمنطق “الأغلى هو الأفضل”، بداية من الإقامة، مرورًا بالمطاعم والمقاهي، وصولًا إلى حفلات الزفاف التي أصبحت في بعض الحالات مشاريع إنفاق ضخمة تتنافس في الفخامة أكثر مما تحتفي بقيمة الزواج نفسه.

الأخطر من ذلك أن هذه الصورة تُصدَّر يوميًا إلى ملايين الشباب، فينشأ انطباع بأن النجاح يقاس بحجم ما يُنفق، وأن الزواج لا يكتمل إلا بحفل أسطوري، وأن الإجازة لا قيمة لها إلا إذا كانت في أكثر الأماكن تكلفة. وهنا يتحول الاستهلاك إلى ضغط اجتماعي يدفع البعض إلى الاقتراض أو تحميل أنفسهم أعباء مالية لا تتناسب مع إمكاناتهم.

لا أحد يعترض على الاستثمار أو على السياحة الراقية، فالساحل الشمالي يمثل مشروعًا اقتصاديًا مهمًا، ويسهم في جذب الاستثمارات وتنشيط قطاعات عديدة. لكن من حق المجتمع أيضًا أن يناقش ظاهرة الارتفاعات المبالغ فيها في الأسعار، وأن يتساءل عن حدود التوازن بين الربح المشروع والقدرة الشرائية للمواطن.

إن قوة أي مجتمع لا تُقاس بعدد حفلاته الفاخرة، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين التنمية والعدالة، وبين الاستثمار وعدم تحويل أبسط المناسبات إلى سباق في البذخ. فالقيمة الحقيقية لأي زفاف ليست في تكلفة المسرح أو عدد المشاهير الحاضرين، وإنما في استقرار الأسرة التي تبدأ بعد انطفاء الأضواء.

يبقى الساحل الشمالي واجهة سياحية مهمة لمصر، لكن الحفاظ على نجاحه يتطلب سوقًا أكثر توازنًا، ومنافسة عادلة، ورسالة مجتمعية تؤكد أن الرفاهية حق لمن يستطيعها، دون أن تتحول إلى معيار يقاس به الناس أو إلى عبء نفسي واقتصادي على الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى