عاجلمنوعات

شاشات باهتة وبيوت باردة.. كيف سرق العالم الرقمي دفء العائلة وأعاد تشكيل العلاقات الأسرية؟

الحقيقة نيوز

أكدت الكاتبة نهى عراقي أن الثورة الرقمية، رغم ما قدمته من تسهيلات هائلة في حياة البشر، تسببت في تراجع الكثير من القيم والعلاقات الإنسانية الدافئة داخل الأسرة، محذرة من تحول التكنولوجيا إلى عامل عزلة يهدد الترابط الأسري ويعيد تشكيل الوعي الجمعي للأجيال الجديدة.

 

وقالت إن الأجيال السابقة نشأت على منظومة من القيم والدروس الحياتية التي نقلها الآباء والأجداد عبر المواقف اليومية والحكايات الأسرية، وهي خبرات شكلت الوعي والوجدان وظلت إرثًا معنويًا يساند الإنسان في مواجهة تحديات الحياة، مشددة على ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع التكنولوجيا وتوجيهها نحو تنمية الوعي بدلاً من تدميره.

 

التكنولوجيا بين الفائدة والإدمان

 

وأوضحت نهى عراقي أنها ليست ضد العالم الرقمي أو التطور التكنولوجي، لكنها ترفض حالة “الفوضى الرقمية” التي تحولت إلى إدمان يطال الآباء والأمهات قبل الأبناء، داعية إلى جعل التكنولوجيا وسيلة للتواصل المشترك داخل الأسرة من خلال تنظيم أوقات استخدامها ومشاركة الأبناء رحلتهم الرقمية بالتوجيه والمتابعة.

 

وأكدت أن القدوة تبدأ من الوالدين، فالأطفال يتعلمون من السلوك أكثر مما يتعلمون من النصائح، وهو ما يستوجب التزام الأسرة جميعًا بضوابط الاستخدام الرشيد للشاشات.

 

اغتيال الطقوس العائلية

 

وأشارت إلى أن كثيرًا من العادات الأسرية التي كانت تمثل مصدرًا للدفء والتقارب اختفت تدريجيًا، فلم تعد مائدة الطعام تجمع أفراد الأسرة كما كان يحدث في السابق، وتراجعت جلسات السمر والأحاديث الودية قبل النوم، ليحل محلها صمت رقمي لا يقطعه سوى أصوات الإشعارات والتنبيهات.

 

وأضافت أن هذا التحول أدى إلى تآكل المساحات الإنسانية التي كانت تمنح الأسرة قوتها وتماسكها.

 

الخرس الزوجي وجفاف المشاعر

 

ولفتت إلى أن العديد من الأسر باتت تعاني ما يمكن وصفه بـ”الخرس الزوجي”، حيث تراجعت الحوارات العفوية الدافئة بين الزوجين، وحلت الشاشات محل التواصل المباشر، الأمر الذي أفرز حالة من الجفاف العاطفي داخل مؤسسة الزواج وأضعف الروابط الوجدانية بين الشريكين.

 

أسرة تحت سقف واحد.. وعوالم متباعدة

 

ورسمت نهى عراقي مشهدًا يوميًا بات مألوفًا داخل كثير من البيوت، حيث يجلس أفراد الأسرة في مكان واحد بينما يعيش كل منهم داخل عالمه الافتراضي الخاص؛ الأب منشغل بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، والأم تتابع المحتوى الرقمي، والابن غارق في الألعاب الإلكترونية، فيما تنشغل الابنة بتوثيق تفاصيل حياتها عبر المنصات المختلفة.

 

وأكدت أن هذا المشهد يعكس مفارقة مؤلمة؛ فالأجساد متقاربة تحت سقف واحد، بينما العقول والقلوب متباعدة في فضاءات رقمية مختلفة.

 

اغتراب الأبناء وتراجع الدور التربوي

 

وحذرت من أن قضاء الأطفال والمراهقين ساعات طويلة أمام الشاشات جعلهم يستقون قيمهم وأفكارهم من مؤثرين غرباء بدلاً من الأسرة، وهو ما أضعف الدور التوجيهي والتربوي للوالدين، حتى أصبحت الشاشات في كثير من الأحيان هي المربي الأول وصانع الاتجاهات.

 

وأضافت أن هذا الواقع أدى إلى تراجع مهارات الحوار والتواصل الأسري لدى الأجيال الجديدة، وخلق حالة من الاغتراب داخل البيت الواحد.

 

شروخ في جدار الأسرة

 

وأكدت أن التكنولوجيا نجحت بالفعل في تقريب المسافات بين الشعوب والقارات، لكنها في المقابل أبعدت كثيرًا من الأقربين عن بعضهم البعض، لتصبح الأسرة أمام أحد أصعب التحديات التي واجهتها عبر تاريخها.

 

وأشارت إلى أن الهواتف الذكية تسللت إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية وتحولت من أدوات للتواصل إلى حواجز غير مرئية تفصل بين أفراد الأسرة، ما يثير المخاوف من نشوء أجيال أكثر عزلة وأقل ارتباطًا بمحيطها الاجتماعي.

 

بين التحدي والمسؤولية

 

واختتمت نهى عراقي حديثها بالتأكيد على أن مواجهة هذه التحديات تبدأ من العودة إلى القيم التربوية الأصيلة التي نشأت عليها الأجيال السابقة، مع توظيف التكنولوجيا بصورة واعية ومسؤولة، موضحة أن الأسرة لا تستطيع إيقاف عجلة الزمن أو منع التطور، لكنها تستطيع الحفاظ على قلوب أبنائها وتوجيههم ليكونوا أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات.

 

وطرحت تساؤلًا مهمًا حول مستقبل الأجيال الجديدة، ومدى قدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة في بناء الوطن، في ظل ما تشهده من تحديات رقمية وثقافية متسارعة، مؤكدة أن الإجابة تبدأ من داخل الأسرة قبل أي مكان آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى