عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: قبضة القانون فى مواجهة سماسرة الخراب الإلكترونى

لم تعد الجرائم الإلكترونية مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى خطر حقيقى يهدد المجتمع المصرى من الداخل، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعى ساحة مفتوحة لابتزاز الفتيات، وترويج الأدوية المغشوشة، واستقطاب الشباب إلى مستنقع القمار الإلكترونى الذى يلتهم الأموال ويدمر الأسر فى صمت.

ومع تزايد أعداد الحسابات المستخدمة فى تلك الجرائم، والتى تجاوزت ملايين الحسابات النشطة، بات التدخل التشريعى الحاسم ضرورة لا تقبل التأجيل، خاصة بعد تصاعد البلاغات المتعلقة بالابتزاز الإلكترونى والنصب الرقمى والترويج لمنتجات دوائية مجهولة المصدر تهدد صحة المواطنين بصورة مباشرة.

التحركات البرلمانية الأخيرة تؤكد أن الدولة بدأت تدرك حجم الكارثة التى تُدار خلف شاشات الهواتف المحمولة، فالأمر لم يعد متعلقًا بحرية استخدام مواقع التواصل، بل بحماية الأمن الاجتماعى والأخلاقى والصحى للمواطنين، بعدما تحولت بعض الصفحات إلى أوكار منظمة يديرها محترفون فى الاحتيال واستغلال الضحايا نفسيًا وماديًا.

ابتزاز الفتيات تحديدًا أصبح من أخطر الجرائم التى تضرب المجتمع، بسبب اعتماد الجناة على أساليب خبيثة تبدأ بالخداع العاطفى أو سرقة الصور والمحادثات، ثم تتحول إلى تهديد مباشر وطلبات مالية أو ضغوط نفسية قد تدفع بعض الضحايا إلى الانهيار الكامل. ولهذا فإن تشديد عقوبات الحبس والغرامات لم يعد رفاهية تشريعية، بل رسالة ردع واضحة لكل من يتاجر بالخوف والشرف والخصوصية.

أما ملف الأدوية المغشوشة، فهو جريمة مكتملة الأركان لا تقل خطورة عن تجارة السموم، لأن بعض الصفحات الوهمية تروج لعقاقير مجهولة المصدر دون رقابة طبية أو تراخيص قانونية، مستغلة جهل بعض المواطنين أو رغبتهم فى العلاج السريع. والنتيجة كارثية: أدوية فاسدة، أمراض تتفاقم، وأرباح بالملايين تدخل جيوب تجار الموت الإلكترونى.

الأخطر من ذلك هو انتشار القمار الإلكترونى تحت ستار “الألعاب” أو “المراهنات السريعة”، حيث يتم استدراج الشباب والأطفال إلى تطبيقات مجهولة تستنزف الأموال وتزرع ثقافة الربح السهل والإدمان الرقمى. البرلمان كان محقًا حين دق ناقوس الخطر، لأن هذه الظاهرة لم تعد مجرد تسلية عابرة، بل أصبحت تهديدًا اقتصاديًا وأخلاقيًا يحتاج إلى مواجهة حاسمة.

المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط فى إصدار القوانين، بل فى سرعة التنفيذ، وملاحقة الحسابات الوهمية، وغلق المنصات المخالفة، وتكثيف الرقابة الإلكترونية، مع نشر الوعى المجتمعى بخطورة مشاركة البيانات الشخصية أو الانسياق خلف الإعلانات المضللة.

الدولة المصرية تخوض حربًا جديدة من نوع مختلف، حربًا بلا سلاح ظاهر، لكنها تستهدف العقول والأموال والأخلاق والصحة العامة. ولهذا فإن أى تهاون مع جرائم الإنترنت أصبح خطرًا مباشرًا على المجتمع كله، بينما يبقى الحسم القانونى والردع السريع هما الطريق الوحيد لإغلاق أبواب الفوضى الرقمية قبل أن تتحول إلى كارثة أكبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى