
تستيقظ الكثير من النساء كل يوم على إرهاق لا يحتمل وآلام مفاصل غامضة، وتساقط شعر مفاجئ، وحمى متكررة، دون أن يدركن أن أجسادهن تخوض حربا داخلية صامتة، خلف هذه الأعراض المتفرقة يختبئ مرض الذئبة الحمراء، أحد أكثر أمراض المناعة الذاتية تعقيدا وغموضا، والذي يحول الجهاز المناعي الحامي للجسم إلى عدو يهاجم أعضائه الحيوية دون رحمة.
وفي اليوم العالمي لمرض الذئبة، تتجدد الدعوات لزيادة الوعي بمرض يصيب النساء بنسبة كبيرة، ويعرف أيضا باسم المرض الخفي، لأن آثاره المدمرة لا تكون دائما مرئية للعين، لكنها تغير حياة المصابين به بالكامل، في كثير من الحالات لا يتم اكتشاف المرض إلا بعد أن يكون قد تسبب بالفعل في أضرار داخلية خطيرة، خاصة بالكلى والمفاصل والجلد.
لماذا تصاب النساء بالذئبة أكثر من الرجال؟
تشير الدراسات الطبية إلى أن النساء يمثلن النسبة الأكبر من المصابين بالذئبة، إذ إن نحو 9 من كل 10 مرضى بالذئبة من النساء، وغالبا ما يتم التشخيص بين عمر 15 و44 عامًا، وهي سنوات الإنجاب والنشاط الهرموني.
ويرى الباحثون أن السبب يعود إلى مجموعة معقدة من العوامل، تشمل:
التغيرات الهرمونية وخاصة هرمون الإستروجين.
الاختلافات الجينية المرتبطة بالكروموسوم X.
طبيعة الجهاز المناعي لدى النساء، والذي يكون أكثر نشاطًا واستجابة.
العوامل البيئية مثل التلوث والتدخين وأشعة الشمس والضغوط النفسية والعدوى الفيروسية.
ويؤكد الأطباء أن هذه العوامل مجتمعة تجعل النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، وعلى رأسها الذئبة الحمراء.
كيف يتحول الجهاز المناعي إلى عدو؟
في الوضع الطبيعي، يعمل الجهاز المناعي كخط دفاع ضد الفيروسات والبكتيريا، لكن في مرض الذئبة يحدث خلل مناعي يجعل الجسم يهاجم نفسه بنفسه.
وينتج عن ذلك التهابات مستمرة قد تصيب عدة أعضاء في الوقت ذاته، وهو ما يميز الذئبة عن أمراض المناعة الذاتية الأخرى التي تستهدف عضوا محددا فقط.
وقد تمتد تأثيرات المرض إلى:
الجلد، المفاصل، الكلى، القلب، الرئتين، الأوعية الدموية، الدماغ والجهاز العصبي.
كما ترتبط الذئبة بوجود أجسام مضادة تعرف باسم “الأجسام المضادة للنواة ANA”، وهي بروتينات يفرزها الجهاز المناعي وتهاجم خلايا الجسم عن طريق الخطأ، مسببة التهابات مزمنة وتلفا تدريجيا للأعضاء.
أعراض تبدو عادية لكنها قد تكون إنذارا
تكمن صعوبة الذئبة في أن أعراضها الأولى تشبه أمراضا كثيرة شائعة، ما يجعل اكتشافها مبكرا أمرا معقدا.
ومن أبرز الأعراض:
إرهاق شديد لا يتحسن بالراحة، آلام وتورم المفاصل، ارتفاع متكرر في الحرارة، تساقط الشعر، تقرحات الفم، طفح جلدي خاصة على شكل فراشة فوق الخدين والأنف، حساسية شديدة لأشعة الشمس، تشوش ذهني وضعف التركيز، وآلام عامة بالجسم.
وغالبا ما يتم تفسير هذه العلامات على أنها إجهاد عادي أو نقص في الفيتامينات أو اضطرابات هرمونية أو مشكلات نفسية، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص.
لماذا يُطلق عليه المرض الخفي؟
الذئبة ليست دائما مرضا يمكن رؤيته بالعين، فقد تعاني المريضة من ألم مزمن وإرهاق شديد وتشوش ذهني والتهابات داخلية بينما تبدو في حالة جيدة أمام الآخرين.
هذا الأمر يخلق حالة من سوء الفهم داخل الأسرة أو بيئة العمل، لأن المحيطين بالمريض قد لا يدركون حجم المعاناة الحقيقية التي يعيشها يوميًا.
كما أن أعراض المرض تظهر أحيانا وتختفي أحيانا أخرى، وهو ما يزيد صعوبة فهم الحالة وتشخيصها.
النساء ذوات البشرة الملونة أكثر عرضة للخطر
أظهرت دراسات طبية أن النساء السوداوات واللاتينيات والآسيويات والسكان الأصليين أكثر عرضة للإصابة بالذئبة مقارنة بغيرهن، كما أن المرض يظهر لديهن في سن أصغر وبصورة أكثر حدة، وذلك وفقا لموقع “تايمز أوف إنديا “.
وترتبط هذه الفروق بعوامل متعددة، منها:
الاستعداد الوراثي، تفاوت فرص الحصول على الرعاية الصحية، التأخر في التشخيص، الضغوط البيئية والاجتماعية، والعوامل الاقتصادية.
أعضاء قد تتعرض للتلف بصمت
من أخطر ما يميز الذئبة أنها قد تصيب الأعضاء الداخلية دون أعراض واضحة في البداية.
الكلى
قد يحدث التهاب بالكلى يُعرف باسم التهاب الكلى الذئبي، وقد يتطور بصمت حتى يصل إلى مراحل خطيرة.
القلب والأوعية الدموية
يزيد المرض من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والجلطات والالتهابات الوعائية.
الدماغ والجهاز العصبي
قد يسبب الذئبة تشوشا ذهنيا، ونوبات صرع، وصداعا مزمنا، وحتى زيادة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية.
العظام
تؤدي الالتهابات المستمرة واستخدام الكورتيزون لفترات طويلة إلى زيادة خطر هشاشة العظام.
الحمل
ترتفع لدى المصابات بالذئبة احتمالات الإجهاض والولادة المبكرة، كما قد يُصاب بعض الأطفال بما يعرف بـ”الذئبة الوليدية”، لذلك تحتاج الحوامل المصابات بالمرض إلى متابعة طبية دقيقة.
لماذا يصعب تشخيص الذئبة؟
يعتبر مرض الذئبة من أصعب أمراض المناعة الذاتية تشخيصًا، لأنه لا يوجد تحليل واحد قادر على تأكيد الإصابة بشكل قاطع.
ويعد اختبار الأجسام المضادة للنواة ANA من أشهر الفحوصات المستخدمة، لكنه ليس دليلًا نهائيًا، إذ قد تظهر نتيجته إيجابية لدى أشخاص أصحاء أو لدى مرضى بأمراض مناعية أخرى.







