عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: شم النسيم في قبضة من حديد 

مع اقتراب احتفالات شم النسيم، تتحول الأسواق إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الدولة على فرض الانضباط وحماية صحة المواطنين، وهو الاختبار الذي نجحت فيه الأجهزة الرقابية هذا العام بامتياز، عبر تحركات ميدانية غير مسبوقة اتسمت بالحسم والصرامة.

فلم تعد الحملات مجرد مرور روتيني أو إجراء شكلي، بل تحولت إلى ضربات استباقية موجعة استهدفت أوكار الغش التجاري ومخازن السلع الفاسدة، حيث أسفرت تلك الحملات عن ضبط أكثر من 20 طنًا من الرنجة والأسماك المملحة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي، في واقعة تكشف حجم الجشع لدى بعض التجار الذين لا يتورعون عن بيع الموت البطيء للمواطنين مقابل تحقيق أرباح غير مشروعة.

هذه الكميات المضبوطة لم تكن فقط فاسدة، بل في كثير من الأحيان تم تخزينها في ظروف كارثية، داخل مخازن غير مرخصة تفتقر لأدنى اشتراطات السلامة الصحية، مع استخدام مواد حافظة مجهولة المصدر، ما يضاعف من خطورتها ويحولها إلى تهديد مباشر للصحة العامة، خاصة مع ارتفاع معدلات استهلاك الفسيخ والرنجة خلال هذه المناسبة.

وفي المقابل، لم تكتفِ الدولة بضبط المخالفات، بل عملت بالتوازي على تأمين الأسواق وضمان توافر السلع السليمة، من خلال غرفة عمليات مركزية تتابع على مدار الساعة حركة الأسواق، وترصد أي نقص أو تلاعب في الأسعار، مع توجيه فوري بضخ كميات إضافية من السلع الأساسية عبر المنافذ الرسمية، لمنع الاحتكار وقطع الطريق أمام استغلال المواطنين.

كما شهدت الفترة الأخيرة تكثيفًا واضحًا للتفتيش على المصانع ومحال بيع الأسماك المملحة، حيث تم فحص خطوط الإنتاج والتأكد من سلامة مصادر الأسماك وطرق تمليحها، إلى جانب سحب عينات عشوائية لتحليلها معمليًا، في خطوة تعكس تحول الرقابة من مجرد ضبط مخالفات إلى منظومة متكاملة للوقاية والحماية.

ولا يمكن إغفال الدور الحاسم للتكنولوجيا الحديثة في دعم هذه الجهود، حيث تم استخدام قواعد بيانات محدثة لرصد الكيانات المخالفة، وتتبع السلع من مصدرها حتى وصولها للمستهلك، ما ساهم في إحكام السيطرة وتقليل فرص التلاعب.

ورغم هذا الأداء القوي، تبقى المعركة مستمرة، فهناك من لا يزال يراهن على غياب الوعي أو ضعف الرقابة، وهو رهان خاسر في ظل دولة أصبحت تتحرك بسرعة ودقة، وتملك من الأدوات ما يمكنها من كشف أي تجاوز مهما كان مستترًا.

ويبقى المواطن شريكًا أساسيًا في هذه المنظومة، فالإقبال على شراء السلع من مصادر موثوقة، والانتباه لعلامات الفساد، والإبلاغ عن أي مخالفات، كلها عوامل تساهم في تضييق الخناق على الخارجين عن القانون.

إن ما نشهده اليوم في تأمين شم النسيم يتجاوز كونه حملة موسمية، ليؤكد أن الدولة المصرية دخلت مرحلة جديدة عنوانها “صحة المواطن خط أحمر”، وأن الأسواق لم تعد بيئة خصبة للفوضى، بل ساحة تخضع للرقابة الصارمة والمحاسبة الفورية.

وفي النهاية، فإن فرحة شم النسيم لن تكتمل إلا بشعور المواطن بالأمان، ليس فقط في الشارع، بل على مائدة طعامه أيضًا.. وهو ما تعمل الدولة على تحقيقه بكل حزم، لتبقى أعياد المصريين دائمًا عنوانًا للحياة لا بوابة للخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى