عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: كسر الصمت.. وسحق الابتزاز

لم يعد الابتزاز الإلكتروني مجرد جريمة عابرة تُسجل في دفاتر الشرطة، بل أصبح سلاحًا قذرًا يُشهر في وجه الفتيات بلا رحمة، يستهدف كرامتهن، ويبتز إنسانيتهن، ويحول لحظة ضعف أو ثقة إلى حكم مؤبد بالخوف والذل. ما يحدث اليوم ليس “حكايات فردية مؤلمة” فقط، بل ظاهرة خطيرة تستوجب المواجهة بلا تردد أو مجاملة.

السيناريو يتكرر بوقاحة: علاقة تبدأ بكلمات معسولة، أو صداقة رقمية مزيفة، أو حتى اختراق خبيث لهاتف أو حساب شخصي… ثم فجأة يتحول الطرف الآخر إلى جلاد، يلوّح بصور خاصة أو مقاطع مفبركة أو حقيقية، ويبدأ في فرض شروطه: أموال، أو مزيد من الصور، أو استغلال بشع يصل أحيانًا إلى حدود الاتجار بالبشر في صورته الرقمية.

هنا لا نتحدث عن “خطأ فتاة”، بل عن جريمة مكتملة الأركان. الجاني مجرم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يستخدم وسائل تكنولوجية ليهدم حياة كاملة، ويعتمد على سلاح أخطر من أي أداة حادة: الخوف. الخوف من الفضيحة، من نظرة المجتمع، من قسوة المحيطين… وهو ما يجعل الضحية سجينة صمتها، ويمنح المبتز مساحة أوسع للتمادي.

الأخطر أن بعض هؤلاء المجرمين لا يتوقفون عند ضحية واحدة، بل يديرون شبكات منظمة، يصطادون الفتيات واحدة تلو الأخرى، وكأننا أمام “مافيا رقمية” لا تعرف الرحمة. وهنا يصبح الأمر تهديدًا للأمن المجتمعي، لا مجرد قضية فردية.

ورغم ذلك، فإن يد الدولة لم تغب. الأجهزة الأمنية، خاصة وحدات مكافحة جرائم الإنترنت، نجحت في تتبع العديد من هؤلاء، وكشفت أساليبهم، وأسقطت شبكات كاملة تمارس هذا القبح المنظم. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: الأمن وحده لا يكفي إذا ظل المجتمع يجلد الضحية ويبرئ المجرم بالصمت.

المواجهة الحقيقية تبدأ من تغيير المفهوم. الفتاة التي تتعرض للابتزاز ليست مذنبة، بل ضحية جريمة. والسكوت ليس حماية، بل استسلام يمنح الجاني قوة إضافية. الإبلاغ الفوري ليس خيارًا ثانويًا، بل هو السلاح الأول لكسر شوكة المبتز.

كما أن الأسرة مطالبة بأن تكون حصن أمان، لا ساحة تحقيق. الاحتواء أهم من اللوم، والدعم أقوى من العقاب. لأن الضحية إذا لم تجد الأمان داخل بيتها، فلن تبحث عنه خارجه، وستظل تحت رحمة من يهددها.

وفي المقابل، لا بد من رسالة حاسمة لا لبس فيها: كل من يهدد أو يبتز أو ينشر صورًا خاصة، سيواجه عقابًا صارمًا لا هوادة فيه. هذه ليست “شقاوة شباب”، بل جريمة مكتملة تستحق الردع الكامل.

نحن أمام معركة حقيقية… معركة شرف وكرامة. إما أن نواجهها بوعي وحسم، أو نترك فتياتنا فريسة لذئاب خلف الشاشات. الصمت لم يعد خيارًا… والرحمة مع المجرم خيانة للضحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى