عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: تجاوز حدود الدخول للمواقع الإلكترونية جريمة لا يستهان بها

لم تعد الجرائم الإلكترونية تقتصر على الاختراقات المعقدة التي ينفذها محترفو القرصنة، بل أصبح مجرد تجاوز الصلاحيات الممنوحة للمستخدم داخل موقع أو نظام معلوماتي جريمة يعاقب عليها القانون المصري بالحبس والغرامة. فالدولة تنظر إلى أمن المعلومات باعتباره جزءًا من الأمن القومي، وأي اعتداء على البيانات أو الأنظمة الرقمية يمثل تهديدًا مباشراً لمؤسسات الدولة والشركات والأفراد.

وقد جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ليضع حدودًا واضحة لكل من يتعامل مع الأنظمة الإلكترونية، حيث نص على معاقبة كل من يدخل إلى موقع أو حساب أو نظام معلوماتي مستخدمًا حقًا مخولًا له، ثم يتجاوز هذا الحق من حيث مدة الاستخدام أو مستوى الصلاحيات المسموح بها. وتصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة من 30 ألف إلى 50 ألف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين.

والخطورة الحقيقية هنا أن الجاني قد لا يكون شخصًا غريبًا عن النظام الإلكتروني، بل قد يكون موظفًا أو مسؤولًا يمتلك بالفعل صلاحية الدخول، لكنه يستغل تلك الصلاحية للوصول إلى ملفات سرية أو بيانات لا تدخل ضمن نطاق عمله. فالقانون لا يعاقب فقط على الدخول غير المشروع، بل يعاقب أيضًا على إساءة استخدام الثقة الممنوحة للمستخدم.

وفي ظل التحول الرقمي الذي تشهده مصر، أصبحت قواعد البيانات الحكومية والمصرفية والطبية والتعليمية هدفًا للكثير من محاولات التعدي والاستغلال. لذلك شدد القانون العقوبات عندما يتعلق الأمر بالأنظمة التابعة للدولة أو الجهات العامة، حيث تصل العقوبات إلى السجن وغرامات ضخمة إذا كان الهدف الحصول على معلومات حكومية أو العبث بها أو نسخها أو إعادة نشرها دون تصريح. وقد تصل الغرامات في بعض الحالات إلى ملايين الجنيهات إذا ترتب على الجريمة إتلاف أو تدمير أو تغيير البيانات الحكومية.

والأمر لا يقتصر على الاختراقات التقنية فقط، فقيام موظف بنسخ بيانات العملاء، أو الاطلاع على ملفات سرية خارج نطاق اختصاصه، أو استخدام حسابه الوظيفي للوصول إلى معلومات محظورة، قد يضعه تحت طائلة المساءلة الجنائية. كما أن الاحتفاظ ببيانات تم الحصول عليها دون وجه حق أو تداولها بين الآخرين قد يمثل جريمة مستقلة وفقًا لنصوص القانون.

إن أخطر ما في الجرائم الإلكترونية أنها تُرتكب في ثوانٍ معدودة، بينما قد تستمر آثارها لسنوات طويلة. فاختراق قاعدة بيانات أو تسريب معلومات شخصية أو مالية قد يؤدي إلى خسائر ضخمة للأفراد والمؤسسات، ويهز ثقة المواطنين في الخدمات الرقمية التي تعتمد عليها الدولة في خطط التنمية والتحول الإلكتروني.

ومن هنا جاءت فلسفة المشرع المصري واضحة وحاسمة: لا أحد فوق القانون في الفضاء الإلكتروني، والصلاحية الممنوحة للمستخدم ليست تصريحًا مفتوحًا لفعل ما يشاء. فلكل حساب حدود، ولكل نظام ضوابط، وأي تجاوز لتلك الحدود قد يحول صاحبه من موظف أو مستخدم عادي إلى متهم يواجه الحبس والغرامة وسجلًا جنائيًا قد يلازمه لسنوات.

إن احترام الخصوصية الرقمية لم يعد مجرد التزام أخلاقي، بل أصبح واجبًا قانونيًا تفرضه نصوص صارمة لحماية المجتمع من الفوضى الإلكترونية. وفي زمن أصبحت فيه البيانات أغلى من الأموال أحيانًا، فإن حماية المعلومات لم تعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها متطلبات الأمن والاستقرار والتنمية.

المقال يستند إلى أحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، خاصة المواد المتعلقة بتجاوز حدود الحق في الدخول والاعتداء على الأنظمة المعلوماتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى