عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: عدسة الهاتف أقوى من سطوة النفوذ

ليست القضية مجرد واقعتين عابرتين شغلتا الرأى العام أيامًا ثم خبتا. ما حدث فى الكمبوند، وما سبقه فى باسوس بمحافظة القليوبية، يمثلان اختبارًا حاسمًا لهيبة الدولة وحدود الصبر المجتمعى. هنا صفعات على وجه فرد أمن يؤدى عمله، وهناك رصاصة طائشة اخترقت جسد طفل بريء. بين المشهدين خيط واحد واضح: استعلاء واستهانة بالقانون وحياة الناس.

فى واقعة الكمبوند، لم يكن الاعتداء انفعالًا لحظيًا كما يحاول البعض تصويره، بل سلوكًا متجذرًا فى عقلية ترى أن المال أو المكانة يمنحان امتيازًا فوق النظام. الصفعات التى وثقتها الكاميرا لم تُهِن فرد الأمن وحده، بل مست هيبة كل عامل بسيط يقف على بوابة ليحمى أرواح وممتلكات غيره. الصرامة هنا ليست مطلبًا شعبويًا، بل ضرورة ردعية؛ لأن التساهل فى إهانة موظف أثناء تأدية عمله يفتح باب الفوضى على مصراعيه.

أما فى باسوس، فالجريمة أكثر فداحة. الرصاص الطائش ليس «خطأ عابرًا» بل جريمة مكتملة الأركان، تعكس استهتارًا مرعبًا بحرمة الأرواح. طفل فقد حياته لأن شخصًا قرر أن يستعرض سلاحه أو يطلق النار بلا وعى أو حساب. أى تهاون فى مثل هذه الجرائم يبعث برسالة كارثية مفادها أن الدم يمكن أن يُختزل فى كلمة «قدر». والحقيقة أن القدر لا يبرر الإهمال، والقانون وُجد ليحاسب الفعل البشرى لا ليغطيه.

اللافت أن الكاميرا كانت الحاسم فى المشهدين. «الزلزال الرقمى» لم يكن مجرد موجة غضب عاطفية، بل ضغطًا مشروعًا أعاد ترتيب الأولويات. حين يرى المواطن الدليل بعينه، يصبح الصمت تواطؤًا. لم يعد بالإمكان إنكار الوقائع أو تمييعها. العدسة حسمت الجدل، والرأى العام طالب بالمحاسبة الفورية، لا بالمجاملات ولا بالوساطات.

الصرامة هنا ليست انتقامًا، بل صيانة لهيبة الدولة. الدولة التى لا تحمى فرد أمن من الإهانة، ولا تثأر لدم طفل قُتل برصاصة عابثة، تضعف فى أعين مواطنيها. والعكس صحيح: حين تكون قبضة العدالة سريعة وواضحة، يشعر الجميع أن القانون هو السيد الوحيد.

الرسالة يجب أن تكون قاطعة: لا أحد فوق المساءلة، أياً كان موقعه أو نفوذه. من يعتدى يُعاقَب، ومن يستهين بالسلاح يُحاسَب، ومن يظن أن الكاميرا مجرد جهاز صغير سيكتشف أنها بوابة إلى قاعة المحكمة. ففى زمن الهواتف الذكية، لم يعد هناك ركن مظلم يختبئ فيه متجاوز.

بين صفعات الكمبوند ورصاص باسوس، ارتفع صوت المجتمع مطالبًا بالعدل، لا بالشعارات. انتصار كرامة فرد الأمن، والثأر القانونى لدم الطفل، ليسا مجرد حدثين، بل معيارًا لصلابة الدولة. ومع كل فيديو يكشف الحقيقة، يتأكد أن زمن الجبابرة قد انتهى، وأن سيادة القانون ليست خيارًا… بل قدرًا لا مفر منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى