عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: ألعاب الموت ومصائد الهاكرز

لم يعد الحديث عن مخاطر بعض الألعاب الإلكترونية ترفًا تحذيريًا، بل إنذارًا قانونيًا صارخًا. فبين “تحديات الموت” وغرف الدردشة السرية وروابط الاختراق المموّهة، تتشكل منظومة إجرامية كاملة تستهدف المراهقين، وتدفعهم من مقاعد اللعب إلى مقاعد الاتهام.

 

المسألة لم تعد مجرد سلوك طائش أو عبث صبياني، بل جرائم مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون المصري بعقوبات تصل إلى الحبس المشدد والغرامات الضخمة، خاصة حين يتعلق الأمر بالاختراق، الابتزاز، التحريض على إيذاء النفس، أو استغلال الأطفال عبر الفضاء الرقمي.

 

أولًا: الاختراق وسرقة الحسابات.. جريمة بنص القانون

يظن البعض أن اختراق حساب لعبة أو الاستيلاء على “أكونت” لا يرقى إلى جريمة خطيرة، بينما الحقيقة أن:

المادة (18) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أتلف أو عطل أو أبطأ أو اخترق بريدًا إلكترونيًا أو موقعًا أو حسابًا خاصًا بأحد الأشخاص.

وإذا كان الحساب يخص جهة اعتبارية أو ترتب على الجريمة ضرر جسيم، قد تصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تصل إلى 200 ألف جنيه.

“أكونت لعبة” في نظر القانون هو حساب إلكتروني خاص، والاعتداء عليه جريمة معلوماتية صريحة.

 

ثانيًا: الابتزاز الإلكتروني داخل الألعاب

كثير من المراهقين يتم استدراجهم عبر محادثات الألعاب للحصول على صور شخصية أو بيانات خاصة، ثم يبدأ التهديد بنشرها.

وهنا يطبق نص:

المادة (25) من قانون 175 لسنة 2018 التي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو نشر معلومات أو صورًا دون رضا صاحبها.

كما تنص المادة (26) على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة تصل إلى 300 ألف جنيه إذا اقترنت الجريمة بالتهديد أو الابتزاز.

بمعنى واضح: من يبتز طفلًا أو مراهقًا بصورة أو تسجيل داخل لعبة، يواجه السجن وليس مجرد حظر حساب.

ثالثًا: التحريض على إيذاء النفس أو ارتكاب جرائم

ما يُعرف بـ “ألعاب الموت” التي تدفع الضحايا إلى تنفيذ تحديات خطيرة، يضع القائمين عليها تحت طائلة قانون العقوبات.

المادة (171) من قانون العقوبات تجرم التحريض على ارتكاب جريمة إذا ترتب عليه أثر.

وإذا ترتب على التحريض انتحار أو شروع فيه، فقد تنطبق نصوص الاشتراك الجنائي طبقًا للمادة (40) وما بعدها من قانون العقوبات.

كما يمكن تطبيق المادة (309 مكرر) الخاصة بانتهاك الخصوصية إذا تم استخدام تسجيلات أو صور في الضغط على الضحية.

التحريض عبر شاشة ليس أقل خطرًا من التحريض في الشارع، والعقوبة قد تصل إلى الحبس المشدد إذا ترتب عليه وفاة أو إصابة جسيمة.

 

رابعًا: استغلال الأطفال عبر الإنترنت

إذا كان الضحية قاصرًا، فإن الجريمة تتضاعف خطورتها.

قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008 يجرم تعريض الطفل للخطر أو استغلاله بأي صورة.

كما أن استدراج الأطفال إلكترونيًا لأغراض غير مشروعة قد يندرج تحت جرائم الاستغلال والاعتداء المعلوماتي المشدد.

وهنا لا نتحدث عن مخالفة بسيطة، بل جريمة تمس الأمن المجتمعي وسلامة النشء.

 

خامسًا: الانضمام لمجموعات إجرامية رقمية

بعض “فرق اللعب” تتحول إلى شبكات منظمة لسرقة الحسابات أو الاحتيال الإلكتروني.

المادة (34) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تشدد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة بواسطة جماعة منظمة.

وقد تصل العقوبات إلى السجن المشدد إذا ثبت وجود اتفاق جنائي منظم.

المشاركة في مجموعة “هاكرز” بدافع التسلية قد تضع صاحبها ضمن تشكيل عصابي إلكتروني.

 

مسؤولية الأسرة والمجتمع

القانون يعاقب، لكنه لا يربي. ترك الأبناء في غرف مغلقة لساعات أمام شاشات متصلة بعالم مفتوح دون رقابة، هو تركهم في ساحة مليئة بالمصائد. الوعي الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة لحماية الأبناء من الوقوع ضحايا أو التحول إلى متهمين.

الأخطر أن بعض المراهقين يُستدرجون أولًا كضحايا، ثم يُجبرون لاحقًا على استدراج غيرهم، فيتحول الضحية إلى أداة جريمة.

 

رسالة حاسمة

الألعاب الإلكترونية ليست شيطانًا بذاتها، لكنها تتحول إلى سلاح حين يستخدمها مجرمون محترفون. خلف كل “تحدي مثير” قد يختبئ ملف تحقيق، وخلف كل “رابط مجاني” قد يكون فخ اختراق.

 

الرسالة واضحة:

من يظن أن الجرائم الرقمية بلا عقاب، يجهل أن القانون يلاحق “الأثر الإلكتروني” بدقة، وأن شاشة الهاتف ليست ساترًا يحمي من المساءلة.

الرصاص الرقمي قد لا يُحدث صوتًا، لكنه قد يدمر مستقبلًا كاملًا… والقانون لا يعرف كلمة “كنت بلعب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى