
منذ عقود والأسر المسيحية فى مصر تعيش تحت وطأة “اللوائح” الخاصة بكل طائفة، وهي قواعد تنظيمية داخلية تفتقر لثبات التشريع البرلماني وقوته.
ومع صدور دستور 2014، الذي كرس مبدأ المواطنة في مادته الثالثة، بات الحق في الاحتكام لشرائعهم الدينية في الأحوال الشخصية واجباً دستورياً تأخر تنفيذه. اليوم، يكشف المستشار يوسف طلعت، المستشار القانوني للكنيسة الإنجيلية، عن ملامح “الثورة التشريعية” القادمة التي ستغير وجه القضاء الأسري للمسيحيين في مصر، منهيةً عصراً طويلاً من الاعتماد على بنود قانونية لا تتوافق مع طبيعة العقيدة المسيحية، ومستبدلةً إياها بنص تشريعي موحد يحفظ كيان الأسرة ويرسخ قيم الدولة الحديثة.
نهاية زمن اللوائح المتقلبة.. لماذا يمثل القانون الجديد “طوق نجاة” للأسر المسيحية ؟
ويوضح يوسف طلعت المستشار القانونى للكنيسة الإنجيلية فى مصر فى تصريحات خاصة لليوم السابع أن الأزمة الكبرى التي واجهت الأقباط لعقود هي الاحتكام لـ “لوائح” وليس “قوانين”. اللائحة بطبيعتها مرنة وقابلة للتعديل بقرارات داخلية من المجامع المقدسة، فمن الممكن أن تستيقظ الكنيسة الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو الإنجيلية على إضافة بند أو حذف آخر بقرار كنسي، مما يربك المتقاضين والمحامين والقضاة على حد سواء.
وذكر أن الانتقال من اللائحة إلى القانون يعني الاستقرار التشريعي؛ فالقانون يصدر عن البرلمان ويمر بمراحل تدقيق دستوري وقانوني تجعل منه نصاً ملزماً وثابتاً لا يتغير بالأهواء أو بقرارات إدارية. هذا التحول هو جوهر مفهوم “المواطنة”، حيث يشعر المواطن المسيحي أن خصوصيته العقيدية محمية بموجب قانون الدولة، وليس بمجرد تعليمات إدارية طائفية، مما يغلق الباب أمام أي ثغرات قانونية كانت تتسبب في ضياع الحقوق لسنوات طويلة داخل أروقة المحاكم.
تفكيك شفرة القانون 1 لسنة 2000.. كيف ينهى التشريع الجديد أزمة الخلع والطلاق بالإرادة المنفردة ؟
وواحدة من أعقد النقاط التي يتطرق إليها مشروع القانون الجديد هي إنهاء التضارب بين الشريعة الإسلامية والشعائر المسيحية في قضايا الأسرة. فوفقاً للقانون رقم 1 لسنة 2000، كان يطبق على المسيحيين في مصر بعض بنود الشريعة الإسلامية فيما يخص “الخلع” و”الطلاق بالإرادة المنفردة”، وهو ما كان يمثل إشكالية قانونية وعقائدية كبرى. فالزواج في المسيحية هو “سر مقدس” يقوم على الإرادة المشتركة والوحدة الدائمة، وتطبيق مفاهيم مثل الخلع كان يضع المتقاضين في مأزق أمام ضمائرهم الدينية وأمام أحكام القضاء.
ويؤكد المستشار القانونى للكنيسة الإنجيلية أن القانون الجديد سيخرج الأقباط من هذه الإشكالية تماماً، حيث سيتم إرساء قواعد قانونية مستمدة من صلب العقيدة المسيحية والتوافق الطائفي، تضمن حقوق الزوجة والزوج بعيداً عن مفاهيم الطلاق بالإرادة المنفردة التي لا تعترف بها المسيحية، مما يغلق ملف “التحايل” القانوني الذي كان يلجأ إليه البعض لتغيير الملة أو الطائفة للحصول على أحكام طلاق أو خلع وفقاً لقواعد خارج عقيدتهم الأصلية.
حكاية الـ 48 عاماً.. رحلة “الحلم المسيحي” من أدراج الحكومة إلى التوافق التاريخى فى 2025
ولم يكن الطريق إلى هذا القانون مفروشاً بالورود، بل هو نتاج صراع طويل بدأ منذ عام 1978.
وعلى مدار ما يقرب من نصف قرن، تعاقب رؤساء وزراء ورؤساء لمجلس النواب، وقُدمت عشرات المقترحات التي كانت تعود دائماً إلى المربع صفر بسبب غياب التوافق التام أو تغير الظروف السياسية. ومع عام 2019، حدثت الانفراجة الكبرى؛ حيث اجتمعت الكنائس المصرية تحت مظلة واحدة لنبذ الخلافات الفقهية الفرعية والتركيز على المصلحة العامة للأسرة المسيحية.
منذ عام 2019 وحتى نهاية عام 2025، شهدت أروقة وزارة العدل ولجنة وزارية متخصصة جلسات نقاشية ماراثونية.
ويشير “طلعت” إلى أن الكنائس الست الرسمية المعترف بها (الأرثوذكس، الإنجيلية، الكاثوليكية، الروم الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس) قد وقعت جميعها على الصيغة النهائية للقانون في نهاية 2025، في مشهد تاريخي يجسد وحدة الصف الكنسي المصري، فهذه الرحلة الطويلة انتهت بصياغة قانون يراعي الخصوصية العقيدية لكل طائفة مع الالتزام بإطار وطني موحد يضمن العدالة للجميع.
الحوار المجتمعي وفبراير 2026.. كواليس التنسيق بين وزارة العدل والمؤسسات القومية
وبعد التوقيع الكنسي، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل دخل القانون مرحلة “الغربلة” الوطنية. ففي أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، احتضنت وزارة العدل جلسات حوار مجتمعي مكثفة. ويكشف المستشار يوسف طلعت عن دقة التنسيق، مشيراً إلى اجتماع حاسم في فبراير 2026 لمناقشة بند “التأمين”، حيث أظهرت الدولة المصرية احتراماً كاملاً لسيادة الكنيسة في شؤونها؛ فكانت وزارة العدل تعود للكنائس في كل فكرة أو مقترح جديد، إيماناً بأن القانون يجب أن ينبع من احتياجات أصحابه.
ولم تكن الكنائس وحدها في الميدان، بل أُرسل مشروع القانون إلى كافة وزارات وجهات الدولة المعنية، وفي مقدمتها المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة. قدمت هذه الجهات مقترحات حيوية تتعلق بـ “النفقات” و”حق الرؤية”، وهي بنود تمس جوهر استقرار الأسرة ومصلحة الطفل الفضلى. كل هذه المقترحات جرت مناقشتها بدقة وتفصيل، وتم دمج ما يخدم الأسرة في صياغات قانونية رصينة، لتتحول المقترحات إلى بنود تحمي المرأة وتصون حقوق الأطفال في ظل القانون الجديد.
الوحدة في التنوع.. كيف صهرت الكنائس الست خلافاتها في “بوتقة” القانون الموحد؟
التساؤل الذي كان يشغل الرأي العام هو: كيف يمكن لست كنائس مختلفة في العقائد والطقوس أن تجتمع على قانون واحد؟ الإجابة تكمن في آلية “الوحدة في التنوع” التي اتبعها مشروع القانون. يوضح يوسف طلعت أن كل كنيسة أم قامت بدراسة القانون مع كافة الطوائف التابعة لها؛ فالكنيسة الكاثوليكية جلست مع طوائفها، وكذلك الإنجيلية، لضمان أن يعبر النص عن الجميع، فالقانون الجديد يمثل “عقداً اجتماعياً” جديداً للمسيحيين في مصر، حيث يحترم الخصوصية الطائفية في “أسباب الطلاق” (التي تختلف من طائفة لأخرى) مع توحيد الإجراءات الإدارية والقضائية والمالية أمام المحاكم. هذا التوازن الدقيق هو ما جعل القانون يرى النور أخيراً بعد تعثر دام عقوداً. إن هذا التشريع ليس مجرد نصوص قانونية، بل هو رسالة للعالم بأن مصر تمضي قدماً في طريق الدولة المدنية الحديثة التي تحترم التعددية وتصون حقوق مواطنيها باختلاف معتقداتهم، تحت مظلة قانونية عادلة ومستقرة.



